مقالات

“60 دقيقة” بؤرة العلاقات النفسيّة

التطرُّق للعوالم النفسية في الأعمال عادة ما تصيب المشاهد بالإرتباك النموذجي الموصول بالتوتّر الذي يؤدي لحالة من الإزعاج وقد يتحوّل للعبة ذهنيّة ملغومة بالدّهاء فترقى للتلقّي المسلّي والمشوّق، هذا ما جاء في بيان مسلسل “60 دقيقة” الذي طلَّ على شرفة مفرجة على عالم الدراما النفسيّة وغرَّد منفردا في تيار ضخَّ داخله أسئلة ومتاهات عن العالم ذاته.

اعلان مسلسل 60 دقيقة

اللّغة النفسيّة مفهوم شديد العلو ولغة ذات بُعد منظوري عسير الشرح ولكن يَسهل نقله على الشاشة في حالة الغوص في الأفكار الحيّة وهو ما تداوله العمل بمراحل مختلفة النضج فأُخد النص من صُلب الموضوع بحلقة من التّوهان الخارجي الفكري والمكبِّر الداخلي الحسّي وطرح خلالها جوانب حياتية واجتماعية ونفسية سُنِدت تحت بند “جدلية قضايا الوجود” بشتى أجزائه ومفترقاته وكل مفترق غاص في شق مهم كالحب، الجنون، العذاب، النفوذ، الجريمة، الإنتقام والأهواء المنفعة والمغرّضة حيث اعتمد النص على جدل السّرد متين الصّنع والترتيب، فكل شخصية سلكت مسار متمرّد لا سد له، احتوى كل دور على منظور مركب غير مباشر مداره تحديد السلوك والأسلوبيّة.
هذه الشخصيات اختلفت حياتها الإجتماعية لكن اشتركت في مشاحنة الذات بفرق الأزمنة وتناولت كل منها الصراع بين الوضعيّة والمثاليّة فاختار كل منها كيانه المحدد حُقِنت جميعها بالازدواجيّة.

ياسمين رئيس توظِّف منهجة لغة السكون الإنفعالي

دوّنت ياسمين رئيس لغة تجريديّة في المسلسل تقتاتها ثم تحفرها في عمق شخصيّة “ياسمين” باقتراضها فصاحة الألم الداخلي تمكّنت من التعبير بحريّة في اقتناء مشاعر الشخصية بالكتمان أو الإفصاح عنها، “ياسمين” التي تعاني من الضجيج النفسي المرهق، مثقّلة ذهنها بالأفكار متسببة لاضطراب حياتها وغَدت دنيتها كغرفة مظلمة تكسو جدرانها الشكوك تحيط بها من كل زاوية فأينما حدّقت وجدت فخ الشك يحاورها فبدت حياتها مترنّحة وممتلئة باهتزاز علاقاتها الإجتماعية المتذبذبة بين موضوعيّة القرار ونسبية اتخاذه وجفاف الإندفاع، تتملّكها هواجس الإنتحار من دروب الإكتئاب ناجت بصوت مرتفع باطني لتؤيد ظلمها في دفاتر المجتمع وبثبات جسدها تعبر عن شريط من الانهاك في صوتها فاتّكأ أدائها على الصدق والعمق والحسّية، خطاب الضمير الذي لاحقها وحاورها بين تارة وأخرة بلهجة العتب فينقلب الأمر نفسيا عليها لترد عليه بسلوكيّات مضرّجة بالأفكار المتسرعة والانفعال الجسدي الساكن ساعية للإتزان بين كليهما.
لم تلجأ ياسمين رئيس للتحضير الإنفعالي لتهيئة الشخصية و فك شيفرتها فكانت تحرّك مشاعرها مرئية مختبئة في عيناها ومن خلالها فسّرت وعلّلت الدوافع والبواعث الكامنة للإكتئاب والهالة النفسية التي جرّدتها من حسّ القناعة في كل ما تمتلكه والمتسبّبة في تساقط أوراقها وشحوب حياتها.

60 دقيقة
60 دقيقة

الحيز الأسري من حياة”ياسمين” سَلَك مجرى من الفتور والركود نتج عنه كسر القيود العاطفية وبناء جدار حاجب لأمومتها وبدأت روابطها العائليّة بالتخبط بدءا من زوجها ثم ابنها وماضيها مخلف من طريقة تعاطيها مع الحالة الخارجية فليس بوسعها الهروب منها وليس لديها القدرة على استكمالها فتستمر في محاولة استيعاب الانقلاب المفاجئ مفتقدة انتمائها المطمئن.

60 دقيقة
60 دقيقة

محمود نصر.. معادلة غير مقيّدة في النمذجة

كمين العمل “الدكتور أدهم نور الدين” ملأ محمود نصر شخصية الدكتور بالإلتباس فلا هو الشخصية التي تصيب الانشراح ولا التي تجبِر على الهلع، قسمها لنصفين نصف يحرِّض الذعر على الإطمئنان ونصف يحرِّض الاطمئنان على الذعر لذا التحديق فيه محيّر لا سيما أنه يحمل وجه الغموض والمفاجأة في كل خطوة سير فلا يمكنك تكهّن تصرّفاته وأفعاله فيستبق الحدث بشوط ويحصِّن نفسه بسياج الدفاع لموقفه، يخفي بين نظراته سرا هامسا بينه وبين عقله لايخلط بين نظريّات المعرفة واستقامة حياته فهو يمشي على نهج الانعكاس المرئي لأثر الكلام ووهم الفعل وتحت مبدأ الإقناع سر الاستمراريّة، نموذج الدكتور النفسي الغير مقيّد بعادات بائدة واستخدم محمود نصر صوته كمفاتيح ترتيب معادلة “أدهم” فيكشف عن القناع الإجتماعي والموقف النفسي من خلال ايقاع كلامه و حركته وايماءه التي ترتّب عليها انسجامه بالحالة العامة، بالمغزى والغاية.

60 دقيقة

مها نصار تحفر أبجديّة تأوّه الخذلان

لم تضطر مها نصار لوضع قناع تعبيري لشخصية “ليلى” بل وثّقت مشاهدها وكافّة جوانب حياتها بأسلوب الإقناع الفذ، تمتّعت شخصية “ليلى” ببنية مونودرامية مما أكّد على مها نصار التركيز على لغة الوجه العاطفية كاللغة الأساسيّة لشرح الحالات المتأوّهة بالخذلان تدريجيا، تمرّ الذكريات والخيبات بصوتها الجريح بلمعة الحنين والإنكسار والتعجب فسردت معاناتها بقوّة صوتها لا بعنفه، الإخفاق المتكرّر المؤدّي إلى عقدة نفسيّة تميل للتخوُّف من اتخاذ ذات الخطوة في نفس الجبهة هي بالكاد ناتج عن التماس كهربائي سُدِّد نحو المشاعر خلَّف ورائه احتراق شغف المعاملة وحطام الثقة.

60 دقيقة

سوسن بدر.. معيار الحيرة

الحيرة إلى حد الإفزاع، والرّيبة لما وراء التصرفات قاعدة “الدكتورة نوال” التي حرّكتها سوسن بدر بمعيار متفوِّق الثقل، خلال مراقبة سلوكها تشعر وكأنها نقلت وراثيا جيناتها المجبولة بالغموض والحذر لإبنها “الدكتور أدهم نور الدين” فتتطابق القشرة الخارجية لأفكارهما، يمشيان على سكّة مرصّعة بالشبهات.

60 دقيقة

فاطمة البنوي ترسم وترتسم بين الضيق والفرج

كفاصل تحويلي لمحور الأحداث والأفكار حلّت شخصية “سارة”، حيث رسمت فاطمة البنوي خط الإرتباك بمعاناة “سارة” وبقرارها الإنطوائي الذي بدأ بالتأوّج بعد حين ألقت نظرة عن كثب ناحية وجهة نظر الضحية وقلة حيلتها أمام قسوة حكم المجتمع الخارجي بإصدار أحكام تدميريّة دون معرفة الحالة أو مراعاة للهيبها، فتتحول حياتها إلى معارك صادمة داخليّة بدأت بمواجهة جريمة وصعوبة تخطّي موقف ثم انتقلت لمجابهة الضرر النفسي وما يخلفه من أذى اجتماعي وجميعها محاولات مهزومة للفرار من الواقع، انسيابيّة التعبير عن الضيق وصياغة مفتاحه هكذا جسّدت فاطمة الدلالات النفسية لحالة “سارة”.

60 دقيقة

شيرين رضا.. حياديّة الحق

بثوب المحاميّة المناصرة للحقوق، تأنّت شيرين رضا في تخطيط الحياديّة المطلقة المتجهة لنور العدالة، فلا عدل دون إدراك الظلم هذه وصية حياة “مريم” أما حين يخدشك الإجحاف فتتحول للدفاع عن كل من يقترب منه الإضطهاد هذا ملخص حياة “مريم”، فدائما ما يكون للماضي التأثير الأكبر في الحاضر فهو الحاكم الأساسي، لم تشكي “مريم” بصوت عالي كالتي تسمع حالاتهم استعدادا للدفاع عنهم لكنها رَوَت معاناتها بتجربة استلخصت في جملة “أسوء أنواع اليُتم هو الشعور به بوجود الأهل”.

60 دقيقة

“ستون دقيقة” هي المدى بين عامل الزمن وأهميته في التأثير النفسي وإلى ما يؤدي في نهاية المطاف، سيّدة تفاصيل رحلة هذه الدقائق المخرجة مريم أحمدي، رفعت كاميرا مريم أحمدي أدرينالين التشويق في العمل لتستفز إيجابيا فضول المُشاهِد ليصرَّ على تشديد النظر بتمعُّن في كل مشاهد وحوارات العمل، كالساعة الرملية تتدفّق المَشاهِد واحد تلو الآخر وجعلت من كل مشهد قطعة تكميليّة للتي قبلها كلعبة الـ”Puzzle”، ولاحت بلافتات اعتراضيّة لقضايا متفشيّة في المجتمع، وركّزت على ضبط التّساوي في ربط الاحداث داخل ثلاث أزمنة مختلفة، ولم تعتمد على ترجمة مشاعر الشخصيات من الظاهر بل فحصت أعماقها عبر رؤيتها فبثّت فيها المشاعر العطِلة والحية.

Content Protection by DMCA.com

تيا البارود

كاتبة صحافية وناقدة فنيّة مهتمّة بالقيم الإنسانيّة والقضايا المجتمعيّة المطروحة عبر نافذة الفن

ما رأيك في المقالة؟ اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
You cannot copy content of this page