مراجعات افلام

وفاء روائي أفقد التجربة كمالها – مراجعة فيلم IT:Chapter 2

تتشكل ذاكرتنا بكل ما تحويه صفاتنا ويعبر عن هوياتنا الحقيقية بجانب ما نطمح إليه من أماني ونسعي في تحقيقها بكل ما أوتينا من إرادة، فالحياة التي نعيش فيها ليس من السهل فهرستها وحفظ مفرداتها، بل إنها قادرة علي التحور فجأةً والتمايل نحو منهاجٍ أخر قد يعبر ضمنياً عن مخيلة الفرد منا عن حقيقته المطلقة وصفاته الجوهرية،لكن ماذا قد يحدث حينما تلوح ذكرياتنا المنسية بكل دروبها من جديد فتغير من منظورنا للأمور برمتها وتتبدل دوافعنا نحو أهدافٍ أخري قد تقلب حياتنا رأساً علي عقب وتكون عواقبها وخيمة لا تحمل سوي الخطر في جنباتها المستعرة بما قد يؤؤل بنا لمصائر تقبض أرواحنا بلا رحمةٍ او شفقة؟

تلك الأفكار كانت بمثابة المحرك الأساسي لمنظور القصة التي يعتمدها المخرج “أندي موشيتي” في الجزء الثاني من فيلم “IT”، وتركيز سيناريو الفيلم الذي كتبه “جاري دوبرمان” على ذلك المنظور قدعمل هنا في بعض الأحيان لصالحه ، حيث أنه يذكّرنا من خلال عدة ومضاتٍ متتالية بأن ما كان مضيئاً ويعد العامل الأبرز لتفرد الجزء السابق هو التناغم القوي والجذاب بين أفراد طاقمه التمثيلي الذين لم يبلغوا سن الرشد بعد وقدموا لنا لحظاتٍ ساحرة في عملٍ تصنفيه ينتمي في الأساس لفئة الرعب.

في حين يرسم “دوبرمان” خطاً واضح الحدود بدايتاً من تجسيد مدي المعاناة التي ذاقت نفوس أعضاء نادي “Losers” ويلاتها حينما كانوا صغاراً وصولاً إلي مدي صراخة تلك الذكريات وجروها الغائرة التي لم تندمل حتي الأن فباتوا يحملونها 27 عاماً متواصلة ،وهاهم يتخلون عن حياتهم من أجل العودة إلى “ديري” من جديد وإنهاء المعركة التي بدأوها منذ فترة طويلة بناءً على دعوة صديقهم “مايك” -العضو الوحيد من الفريق الباقي في مسقط رأسه حتي أصبح في النهاية أمين مكتبة المدينة الذي أفني حياته في شغفٍ مريب وتعمقٍ ذائد عن الحد في إحدي غرائب الكون التي حملت معها العديد من الأسرار الكامنة في سجلات التاريخ.

ولكن كل واحد منهم لديه ذكرياته وحياته الصاخبة التي لم تخلو من رهبة الماضي يعبث بمخيلاتهم فيحاصر حاضرهم ويعرقل مستقبلهم ويشغل حيزٍ كبيرٍ من تفكيرهم، فهل بمقدورهم العودة من جديد لقلب الطاولة علي هواجسهم الشخصية وإنهاء المعركة التي بدأوها من زمنٍ بعيد حاربوا فيه شيطانهم الذي بث الرعب في نفوسهم وتمكنوا من رد مساعيه سابقأ بعد عناءٍ طويل؟

ثلاث ساعات الإ عشر دقائق يقمحنا  من خلالهم “أندي موشيتي” من جديد بعالم “ديري” التي إهتزت أركانها من جديد بعودة المهرج “Pennywise” تحقيقاً للنبؤءة التي تشير بظهوره كل 27 عاماً لإثارة الرعب ونشر الفوضي بكل ما أوتي من قوة وقدرة علي تغيير هيئته حينما يشتم رائحة الخوف التي يشعر بها الأطفال فيتجسد في أسوء كوابيسهم ويصيروا بعدها لقمٍ سائغة لأنيابه المفترسة، مما يتوجب علي أعضاء نادي “Losers” العودة من جديد بناءً علي العهد الذين قطعوه علي نفسهم بالتصدي ل”Pennywise” ورد كافة مساعيه مرةً واحدة وإلي الأبد بالرغم من فائض الذكريات المأساوية التي منيت بها حياتهم في طفولتهم وتأثيرها علي حاضرهم علي نحوٍ بالغ المفعول.

لكن ذلك الجزء قد خالف التوقعات في عدة عناصر ربما لم تختتم الثنائية بطريقةٍ مرضية بالرغم من الشغف الجارم الذي إعتري “أندي موشيتي” كي يقتبس العديد والعديد من أبرز ما ورد في الرواية الأصلية كي يتسني له النزول عند رغبة الأنصار والمحبين للنص الروائي المبتدع علي يد أحد أشهر كتاب الرعب في التاريخ “ستيفن كينج”، لكنه الحظ لم يحالفه في منح التجربة نصييها من التكامل الخالي من أية عيوبٍ علي شاكلة سالفه الذي كان صداه مدوياً عند الكثيرين ولقي رواجاً منقطع النظير نقدياً وجماهيرياً.

فبالنظر لمدة الفيلم التي تخطت حاجز الساعتين والنصف، كان من الممكن التغاضي عن ما يقارب نصف الساعة من المشاهد التي لا تشكل أهميةٍ عند المتلقي، وذلك ينبع من كثافة “الفلاش باك” الذي إعتمد عليه “موشيتي” بغزارة لأغراضٍ حبكوية بحتة ، ولكنه ربما كان يخشي من فقداننا لأبرز نقاط الجزء السابق فأكثر من وجودها ضمن سياق الأحداث في حين كان يمكن تعويض ذلك عن طريق تقديمٍ مناسب لأعضاء فريق “Losers” البالغين وتقوية صدي تأثرهم بالظواهر المحيطة بهم بدلاً من كونهم أدوارٍ ثانوية فاسحين الطريق لنسخهم المصغرة من جديد كي يحدثا نفس أثر الجزء السابق، بجانب التعمق أكثر في خلفية التاريخ الذي أرساه “دوبرمان” ضمن صفحات السيناريو عن الخلفية التاريخية لشخصية “Pennywise” الذي جاء سطحياً خالية من ما يزيد الإقتناع بتلك التفاصيل و إستيعاب فحواها عن رضاٍ تام.

ولذلك كان هناك تعمدٍ تام لذكر كلمة “في بعض الأحيان” في الفقرة الثالثة كتأكيد حقيقي علي عدم فعالية النهج المتبع من “موشيتي” و”دوبرمان” في الإعتماد الزائد علي أجواء الجزء الأول وإستمدادها لملئ فراغاتٍ في صلب القصة المراد سردها، فذلك قد أهدر فرصةٍ كبري لبروز أعضاء فريق “Losers” البالغين ونيل تعاطفنا كمشاهدين من هول ما يواجهوه في سبيل التخلص من شرور “Pennywise” للأبد.

ليس هذا فحسب، بل يعيب الفيلم وجو خللاً واضحاً بإيقاعه وغياب السلاسةٍ في التنقل بين الماضي والحاضر بوتيرةٍ منتظمة بجانب التعجل في معظم المشاهد المفترض كونها محوريةٍ شكلاً ومضموناً ، فقد صادف ثلثه الأول تسارع مبالغ فيه في الأحداث ثم بطئ نسبي في ثلثه الثاني الذي يعد منبع سلبيات الفيلم والغارق في بحر “الفلاش باك” وصولاً للمنعطف الأخير الذي يشهد مواجهة الحسم التي حملت الكثير والكثير من الحمية المشهدية وإثارةٍ تصل بالرعب إلي أقصي درجات الجنون الذي يتفوق في ذلك الشق بالتحديد عن الجزء السابق الذي يتنافي عن “chapter 2” في كونه خالياً من الإسهاب وذو بينةٍ ثابتةٍ وغير مجزأة تتصاعد أحداثه دون مساسٍ بشخصياته الرئيسية أو الحد من ظهورهم لصالح ما قد يعبث بوتيرة إيقاعه أو حشوه بمدٍ من التفاصيل الزائدة عن الحد.

لكن علي الجانب الإيجابي، يحظي “It chapter 2″ بوافرٍ من تسلسلات الرعب المثيرة للخوف والتوتر التي تعتمد في غالبيتها علي أسلوب ال”jump scares” و تنتهج في أغلبها الطريقة العملية أو الحقيقة في إثارة فزع الجمهور، حتي بالرغم من إتكال بعضٍ منها علي تقنيات الCGI التي نتج عنها عدة لقطاتٍ مولدة بالحاسب إتسمت بكونها كرتونية الشكل، الإ أنها قد ساهمت هي الأخري في محو أثار السلبيات نسبياً وخصوصاً بما بدر ضمن تسلسل النهاية الذي جمع بين دفتيه الجنون والإثارة مختلطتين ببعضهما البعض كي يخرجا بنهايةٍ جيدة أكثر حدةٍ من تلك التي أل إليها الجزء السابق.

كذلك يشهد الفيلم إنسجاماً واضحاً بين أعضاء ال”Losers” الكبار  يوحي بفيضٍ هائل من المشاعر التي يكنونها لبعضهما البعض والصداقة التي لن يمحيها الزمن علي الرغم من معاناتهم الشخصية وصراعاتهم الذاتية مع أنفسهم الأمارة بالإضطراب النفسي والمعنوي كلما طرق الماضي أبواب حيواتهم من جديد يطفو علي سطح طوحاتهم ورغباتهم، أفضلهم كان “بيل هادر” المعروف بهويته الكوميدية وحسه الفكاهي العالي الذي تألق في دور “ريتشي” وإنتزع البعض من ضحكات الجمهور بصالة السينما، كما انه فاجأ الجميع بمقدوره علي البروز ضمن لحظات الفيلم الدرامية علي غير عادته، مما يشير ذلك لإستحقاقه عن جدارة كافة الثنائات التقديرة التي لم تخلو من أية إشادة بأدائه لكافة جوانب الشخصية بالشكل المطلوب.

ذلك لا يقلل من مجهودات البقية وعلي رأسهم الثنائي “جيمس مكافوي” والحسناء “جيسيكا شاستاين” اللذان تألقا قدر إستطاعتهما تحت ظلال بضعةٍ من اللحظاتٍ التي منحها الفيلم إياهم وتعد أعمق نسبياً مع الأهوال التي تلاحقهم مقارنة بذويهم، وربما كان من الممكن التعلق بهما أكثر من الازم لكن “موشيتي” و”دوبرمان” فضلا إتباع نهجٍ أخر (الذي تم ذكره سلفاً) عن إعطاءهم المزيد من الفرص كي يثبتوا وجودهم مثلهم كمثل نسخههم المصغرة، لكنهم يستحقا التقدير في ظل ما أتيح لهم من مساحاتٍ إبداعية كي يفرضوا أنفسهم علي الأحداص وينالا أية إشادةٍ أسوةً بتلك التي أغتنمها أبطال الجزء السابق.

إجمالاً، ربما تعزز ثنائية “IT” -خصوصاً في جزئه الأول-رسالة إجتماعية هامة بضرورة مجابهة الخوف والتغلب علي الوهم مهما كان منبعه حتي ولو كان ذكري أليمة يتوارثها الفرد لسنين حتي صارت مصدر إزعاجه وهاجسه الدائم الذي لا يخور طيفه، لكن ربما ينسي البعض منا تلك الرسالة خصوصاً مع عدم تلبية الجزء الثاني لكافة الطموحات التي تلت الإعلان عنه عقب النجاح الساحق الذي حققه الجزء الأول ووقوعه في فخ السلبيات التي قد تطيح بفرصه في تحقيق أهدافه في نيل إشادة سلفه والدخول ضمن قائمة أفضل أفلام الرعب في الأونة الأخيرة.

اسامة سعيد

كاتب وناقد سينمائى بموقع بيهايند وطبيب بشرى، محب للفن بشكل عام والسينما بشكل خاص.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock