مراجعات افلاممقالات

فيلم Mary and Max .. الأرواح الوحيدة المنهكة مقدر لها أن تتلاقي

ما هو الحب؟ .. وكيف نحب شخصاً نراسله يبعد عنا آلاف الكيلومترات ولم نراه قبلاً؟ .. هل الحب معادلة كيمائية تحدث داخل روحنا ويكون ناتجها داخل روح الشخص الذي نحبه أم أن هناك خيط خفي طويل للغاية منذ ولادتنا يربطنا بالشخص الذي من المقدر لنا أن نلتقيه .. الحب لغة غامضة ربما لن نفهمها أبداً ولكن ما نفهمه أننا سنظل ناقصين بدونه.

أنا لا أؤمن بتناسخ الأرواح ولكني أؤمن بوجود العديد من الأرواح المنهكة التي تعيش نفس الحياة البائسة، فنجد ماري طفلة في الثامنة من عمرها ولكنك تشعر بأنها في خريف عمرها كماكس الذي يبلغ 44 عاماً، عالمهما متشابه خالٍ من الألوان وحياتهما متطابقة يغلب عليها لون الوحدة والإنعزال والمأساة والطفولة القاسية علي الرغم من فرق السن والمسافة بينهما، فماري طفلة وحيدة بدون أصدقاء تشعر بالغربة وسط عائلتها، والدها يعمل في مصنع لربط الخيوط بأكياس الشاي وعندما ينتهي من عمله يقضي بقية اليوم في سقيفته يمارس هوايته المفضلة حشو الطيور الميتة، أما والدتها فهي سكيرة طوال اليوم تشرب الخمر وتمزجه بوجباتها، لذلك يمكن القول بأنها يتيمة كماكس الذي هجره والده في مزرعة، وانتحرت أمه وهو في السادسة من عمره.

عندما تكون الوحدة رفيقتك تتحول أبسط الأمور إلي أحلام وأهداف ترغب في تحقيقها وتصبح محور عالمك، فماري وماكس كلاهما يحبان فيلم الرسوم المتحركة آل نوبلت لأن لديهم عشرات الأصدقاء، واحد من أهداف حياتهما أن يحصلا علي صديق حقيقي، الوحدة لم تكن رؤوفةً بهما للدرجة التي جعلتهما يصادقان الحيوانات حتي أن عقل ماكس اخترع صديق خفي يتكلم معه، وللسخرية المؤلمة يمتلك ماكس تلفازان يكملان بعضهما أحدهما يعرض صورة بدون صوت والآخر صوت بدون صورة ولكن لا يوجد من يكمل حياته، فرغم بلوغه سن ال44 إلا أنه مازال وحيداً بدون زوجة أو أبناء، كهل بعقل ماري لا يعلم مثلها ما هو الحب؟ وكيف يكون محبوباً؟ .. لا يعلم شيئاً عن الجنس ومن أين يأتي الأطفال؟، حيث يعاني من متلازمة أسبرجر التي يواجه مصابوها صعوبة كبيرة في التفاعل الإجتماعي مع الآخرين ويكونون عرضة للتوتر والقلق الشديدان لأي حدث جديد يطرأ علي حياتهم الروتينية النمطية.

الأرواح الوحيدة المنهكة مقدر لها أن تتلاقي، فقد ترحم القدر أخيراً بماري وماكس وأعطاهما فرصةً لتحقيق إحدي أهداف حياتهما وتجربة الحب الحقيقي الصادق، صدفةٍ جعلت ماري تراسله بغرض معرفة سؤال واحد من أين يأتي الأطفال؟، ماري المسكينة كانت ترغب في التأكد ما إذا كانت حادثة أم لا؟ حيث أخبرتها أمها ذات مرة بهذا، من يخبر طفلة في الثامنة من عمرها بأنها كانت حادث؟! ألا يكفي أنها لا تنال ذرة إهتمام منكم وتشعر بالغربة واليتم وسطكم؟! ألا يكفي أنها بلا أصدقاء وتتعرض دائماً للتنمر؟! طفولة قاسية للغاية كان سينتج عنها ماكس آخر لولا صداقة غيرت حياة ماري وأثرت عليها، علي الرغم من آلاف الكيلومترات التي فصلت بينهما صداقتهما كانت حقيقة وحبهما كان نقياً وصادقاً، فقد ضحكا وبكا وتخاصما وتصالحا، ظلا يتراسلان عنهما وعن طفولتهما وعائلتهما واهتمامتهم وأحلامهم، عن الحب والصداقة والزواج والأشياء الغامضة إلي أن مات ماكس، مات في اليوم الذي كان مقدراً لرصيفهما المليء بالشقوق أن يتلاقا، مات وحيدأ ولم يرثي عليه سوي صديقته المفضلة والوحيدة ماري، منحنا الرب هيئتنا وعائلتنا ومنحتنا العائلة اسمنا ولم نختار نواقصنا ولكنها جزء منا وعلينا تقبلها والتعايش معها من الجيد أننا نستطيع اختيار أصدقائنا.

من اللحظة الأولي سوف تدرك أن فيلم Mary and Max مختلف تماماً عن أي فيلم رسوم متحركة شاهدته سابقاً، الرسوم غير مألوفة وقبيحة، والألوان سوداء وباهتة مناسبة لأجواء الفيلم الكئيبة، ونادراً ما نجد فيلم انيميشن يستهدف فئة الكبار، وهو ما سنلاحظه في بعد المشاهد والمواضيع التي تطرق إليها والحوار الفلسفي الجميل المليء بالمعاني التي يعجز عقل الأطفال عن إدراكها.

تدور احداث فيلم Mary and Max عن المهمشين والوحيدين والمنطوين الذين عاشوا طفولة قاسية للغاية .. عن الأشخاص الذين فقدوا اهتمامهم بالعالم وكذلك فقد العالم اهتمامه بهم .. عن المنبوذين الذين لا يشكلون خطراً علي أي حد سوي نفسهم لذلك سواء عاشوا أو ماتوا أو حتي انتحروا هذا لا يهم المجتمع في شيء .. كل البشر ناقصون لماذا لا يستطيعون تقبل نواقصهم

محمد عرفان (Arf Ofy)

السينما هى كيفية أن تعيش أكثر من حياة .. حياة جديدة مع كل فيلم تشاهده .. وهدفي هو ترشيح أفلام جيدة ومختلفة تحترم عقليتك كمشاهد .. وتسحبك معها إلي عالمها المليء بالسحر والأفكار والمشاعر كي تعيش تجربة لا تُنسي تنغمس فيها بكل حواسك.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock