مراجعات افلام

رؤية أخرى لفيلم IKIRU

تحذير : يوجد حرق لبعض الأحداث 

 “وستعرف بعد رحيل العمر انك كنت تطارد خيط دخان” جزء من قصيدة كتبها يومًا الشاعر نزار قباني واصفًا حالة من اللاوعي تصيب الإنسان في مرحلة ما في حياته. ماذا لو أدركنا أن هذا ليس مجرد شعرًا وأنه ينطبق حرفيًا على رائعة المخرج الياباني العظيم كوروساوا “Ikiru”.

 -في فيلم شديد الإنسانية عالمي الفكرة يقدم لنا المخرج العظيم (أكيرا كوروساوا) فيلم “حياة”؛ فيظهر بطلنا الذي يعيش وسط ركام الأوراق الحكومية لمدة ثلاثين عاما لم يفكر خلالها ولو لمرة واحدة في أن يغير حياته طوال هذه السنوات حتى يستحيل إلى مومياء. ظل هكذا إلى يصدم بحقيقة أليمة أنه لن يعيش أكثر من ستة أشهر لإصابته بالمرض الخبيث. إذن فنحن أمام رجلًا أرملًا أفنى عمره فيما سأم من عمل روتيني ممل؛ وكنز المال ظنًا منه أنه على صواب؛ وضحى بحقه في الزواج ليرعى إبنًا يحسب كم سيرث من بعد موته ويعامله بلا اكتراث متجاهلًا آلامه متهمًا إياه بأحط تهم يمكن أن يلقيها رجل على أبيه.

 

-ركز (كوروساوا) على مدى صدمة بطل الفيلم لدى معرفته بحقيقة مرضه فتمر الساعة الأولى من الفيلم بإيقاع بطئ ثقيل يكاد يكون صامتًا يتماشى مع ثقل لحظات صدمة البطل وحزنه وكأننا في حالة توحد مع معاناته. ولم يكتف المخرج بذلك بل استخدم عدة مشاهد متناقضة بين مشاعر أبطالها الحزينة والخلفية الصاخبة.

فيظهر بطلنا وهو يغني أغنية حزينة تقول أن “الحياة قصيرة”؛ تغنى بها عندما أدرك أن وقته على وشك النفاذ؛ تغنى بها والدموع متجمدة في مقلتيه عاجزة عن التعبير عن صدمته وحزنه وإدراكه أن ما مضى ما هو إلا سراب. في مشهد متناقض بين حزن الأغنية وصخب الملهى الليلي الذي يصمت أمام أحزان الأغنية وأوجاع من يغنيها.

 

“المحن تعلمنا الحقيقة .. مرضك فتح عينيك على حياتك … ندرك جمال الحياة عندما نواجه الموت”

 

-كلمات تفوه بها أول من علم بقرب دنو أجل بطل الفيلم واستمرارًا لحالة التناقض بين الحوارات وخلفية المشاهد؛ جاءت تلك الكلمات العميقة المؤثرة على لسان صاحب حانة في حالة سكر.

واستخدم المخرج نفس التناقض الصارخ في مشهد مصارحة البطل لصديقة له بحقيقة مرضه وقرب موته وسط مطعم ملئ بالضحكات واحتفالات الميلاد. وفي ذكاء وحرفية شديدة استخدم كوروساوا اغنية عيد الميلاد في خلفية المشهد متضادة مع أحزانه وآلامه متماشية مع قراره انه سيستطيع التغيير وأنه سيولد من جديد من رحم هذه المعاناة.

 

-نعم هو قرر أنه سيتغير وأن في مقدوره أن يعيش ما لم يعشه من قبل فجميعنا دومًا نعلم ما بداخلنا؛ ونعلم حقيقة أفعالنا؛ وماهية حياتنا. قد لا يعلم تلك الحقائق غيرنا ولكننا نعلمها لذا نحن فقط القادرون على تدارك ما اقترفناه. فهناك في الحياة ما يدعونا لنعود. نعم لن تعد الأيام فما مضى قد مضى ولكن تظل دومًا الفرصة أمامنا كي نقتص من أخطاءنا؛ لنستمتع بحياتنا الحقيقة فدومًا لا يزال هناك وقت …

 

-هاهو بطلنا يسير محنيًا الظهر وقد غير قبعته وكأنها ترمز لتغيير موقفه من حياته السابقة التي ينقصها الحياة. ونجد هذا العجوز أمام يد حانية شابة ترى الجمال في كل شئ وتجسد أمامه روح التغيير المزروعة في الشباب الذي يأخذ قرارت ثورية فهي ترفض الاستمرارفي دائرة العمل الممل في تناقض بين من يستدرك خطأ مساره وبين من يترك نفسه كريشة في الهواء تحركها الظروف كيفما شاءت. استفاق من غفلته ليجد أنه لا يدرك ذكريات ما مضى وكأنه كان يعيش في فراغ لأنه كان على قيد الموت وهو حي.

 

-مع الوقت أدرك رجلنا أن السعادة تكمن في رسم البسمة داخل قلوب الآخرين حتى بأبسط الأشياء فقرر الاستغناء عن ماله الذي ظل يجمعه ليشترى بها لذه العطاء. وساعتها فقط ارتسمت البسمة على شفاهه ليرى متع الحياة البسيطة وضحكاتها البريئة. هذا الرجل الذي لا نعلم هل أنهكه المرض أم أنهكته حياته السابقة بدأ يستوعب ماهية الحياة وبدأ يدرك حقيقة خيط الدخان. بدأ يستشعر الحياة الحقة ويشعر بميلاده الثاني الحقيقي.

 

-كل ما في الفيلم من تعبيرات وكلمات وإيماءات تعبر بصدق عن فكرة أننا كلنا نعلم حقيقة نهايتنا ولكننا نصطدم بتلك الحقيقة عندما نعلم مدى اقترابها ونتفاجأ بها كما لو أننا لم نتعلم شيئا مما مر بنا. ولكنه يؤكد على ألا نبك على ما مضى؛ فدومًا لدينا الفرصة لإصلاحه طالما لازالت أنفاسنا تخبرنا أننا على قيد حياة حقيقة. فعجبًا لذلك البطل أن يدرك الحياة الحقيقية وهو على شفا الموت.

 

ولتأكيد صدق هذه الفكرة استخدم (كوروساوا) تكنيك “الطرف الثالث في سرد الأحداث” أو Third   person method of narration

مستغلًا أنه يتحرك بحرية في الزمن في حياة البطل فتارة يعرض مشاهد من طفولة إبنه وشبابه وتارة يعرض لقطات متقطعة من أيامه الأخيرة وتارة يعرض مشاهد من حياته المملة تاركًا المشاهد في محاولة لربط مغزى كل مشهد وكيفية تأثيره على حياة بطل الفيلم. فهذه التقنية تضمن صدق الرواية وموضوعيتها ولا تأخدها بمنظور شخصي. كذلك يشعر المتفرج وكأن الفيلم يكاد يكون منقسمًا لنصفين: الجزء الأول يوضح عتمة الحياة الخالية التي كان يحياها بطل الفيلم وردود أفعال الآخرين عليه في تضاد واضح مع الجزء الثاني حيث أضواء قلبه تنير حياته الجديدة وكيف ينظر الأخرون له حسدًا.

وتأرجحت ثلاث أفكار رئيسية خلال النصفين؛ فنجد أن النصف الأول يلقي الضوء على الموت والحياة الروتينية والعائلة. ومن خلال تلك الأفكار الثلاث تنبثق ثلاثة أفكار متضادة معها في النصف الثاني حيث الحياة الحقيقية والأفكار الثورية ومفهوم العائلة بمعناه الأشمل.
يرحل بطلنا عن حياته الجديدة تاركًا إرثًا حقيقيًا أدركه أخيرًا متمثلا في إسعاد الآخرين بعد معاناة وتحملا للآلام ومحاربة الفساد. اكتشف أن قيمة الحياة الحقيقة تكمن في العطاء ورسم السعادة في قلوب الناس مستدركًا خمسين عامًا من اللامبالاة في خمسة أشهر تمثل عمره الحقيقي.

-وبعد رحيله أخذ الجميع يتجادل بشأن تلك الشهور الخمس وما فعله فيها بطلنا ناسيين ما مر عليه من أعوام تافهه لا قيمة لها. يرحل وهو يغني الأغنية ذاتها لدى علمه بمرضه وهو على الأرجوحة ذهابًا وإيابًا مدركًا أنه حقق كثيًرا وأدرك قبل الرحيل ما لم يدركه طوال ما كان يعتقد أنها حياة.

 

بهذا الفيلم الإنساني العظيم يطرق )كوروساوا( أبواب أفكارنا لنعيد تقييم ما مررنا به وما حققناه وما أخفقنا فيه. ينيرأمامنا طريقًا من الأمل وأننا لا يزال أمامنا وقتًا لإدراك ما فات ولنسير في طريق جديد علنا نجد فيه تعزية وسلوى عن حياتنا الفائتة.

بقلم : مروة يوسف

مراجعة وتنسيق : كريم مدحت

Behind The Scene

بيهايند هي كيان سينمائى مصري متخصص فى مجال السينما والدعاية السينمائية نعمل على تقديم احدث الاخبار المصرية و العالمية فى مجال السينما ودعم الافلام السينمائية
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock