مراجعات

مراجعة فيلم Ma Rainey’s black bottom – مقطوعة سينمائية تطرب أرواحاً غيبها الألم

“Ah-one, ah-two, ah-you know what to do”

بهذه الجملة يفتتح احد موسيقى فرقة “ما في فيلم Ma Rainey’s Black Bottom فقراتهم التدريبية استعداداً لتسجيل أغنيات جديدة، ولكن قد لا يؤخذ على هذه الجملة معنى وحيدٍ لها، قد تكون شعاراً خاصاً يعني أن هناك معرفة وثيقة بشيء ما من أجل الاستمرار والمضي قدماً، كحال القوم ذوي البشرة السمراء وقتما جار عليهم الزمن بحباله الخانقة لا يرخون بتاتاً من على رقابٍ كتب لهم الحياة بطريقةٍ لا يد لهم فيها، لم يأبي التاريخ أن يشهد في صفحاته المزيد من هذا المرار الحانق لهؤلاء البشر والممارسات الخاطئة التي تنتهك ضدهم بكل وحشية وتعنت

تعرف على اقوى افلام شادويك بوسمان

من هنا ظهرت فرقة “البلوز” التي اشتهرت في القرن الماضي تغنت بالفن واطربت أرواحٍ غيبها الأسي ورددت ألحاناً تنبض بالحياة وتٌحجم الطاقة السلبية بأجمل المعزوفات بعدما ساقتهم الظروف لما هوا ابعد عن مسارات البشر العاديين.

مراجعة فيلم Ma Rainey’s Black Bottom

في معروضة سينمائية لا تتعدى حاجز الساعتين، يقدم المخرج “جورج سي وولف” نموذجاً مصغراً من وحي “أمريكا” التي تلوث تاريخها كثيراً بأفعالٍ وممارساتٍ عنصرية لازال يدوي صداها حتى وقتنا هذا، ورثاءاً لحال قومٍ يحاولون المضي قدماً بالرغم من أشباح الماضي التي ترخي بجائلها داخل عقولهم و تدفع بذكرياتهم وماضيه الأليم دفعاً لا هوادة فيه للظهور بعدة طرق قد يحدث من خلالها ما يثير الأمس ويجعله حاضراً مزعجاً من جديد.

تدور أحداث Ma Rainey’s Black Bottom في “شيكاغو” عام ١٩٢٧، حينما تستعد اسطورة الجاز “ما” بصحبة فرقتها من أجل تسجيل بعض الأغنيات في الاستديو المنتج لها، سئماً من محاولة البيض السيطرة عليها و على موسيقاها، تحاول “ما” فعل ما تريد في الوقت الذي ترغب فيه دوناً أن تعير اية إهتمامٍ لأحد، ومع مرور الوقت تتصاعد حدة الأجواء وتحولت توتراتها المختلفة إلى ابعادٍ لم تكن في الحسبان.

Ma Rainey's Black Bottom movie

السيناريو بدا متأثراً بالنص المسرحي الذي كتبه “اوجست ويلسون” من حيث طول المشاهد الحوارية وكثافة النقاشات بين الشخصيات، لذلك العنصر له ميزة وعيب في نفس الوقت، الميزة هي ان تلك المشاهد ينتهي بنتيجة مؤثرة في سياق القصة، ولكن العيب يكمن في فقدان التواصل نسبياً مع ما يقال أثناء الحديث نظراً لحدة المواقف وكثرة ما يقال، ولكن مقارنةً مع فيلم مثل “Mank”، الامر افضل بكثير نظراً لان الأخير اتكل علي الحوار دون أن يحدث ذلك فارقاَ علي الأحداث والمشاهد أيضا

الفيلم ينقسم إلى ثلاث مشاهد رئيسية ومطولين، لكنهم يبرزون بفعالية المعني الحقيقي للفيلم ورسالته، هو يدور ببساطة عن محاولة السود استعادة ذواتهم وعيش حياة محترمة بعدما جار عليهم الزمن بما لا يحتملوه، كما انه يعزز أهمية الفن ودعم الحرية الإبداعية للفرد بجانب كونه وسيلة للفرار من حياة الذل والهوان واضطهاد مجتمع بأكمله ودمارٌ للذات يحتاج الي تهيئة شاملة كي يعود لطبيعته.

فيولا ديفيس Ma Rainey's Black Bottom

تتصاعد وتيرة الفيلم برغم من كثرة الحوار وقلة المحتوي القصصي مستفيداً من التحولات الرئيسية التي تحدث بنهاية كل فصلٍ من فصول الفيلم، يبقي المشهد الأخير هو الأكثر تفجراً وباكورة العمل التي تم التمهيد لها علي أسسٍ متوازنة مع ايقاع الأحداث، هناك استخدامٌ مناسب للأغاني والمعزوفات الموسيقية بما لا يؤثر علي سيلان القصة نحو خلاصتها، لذلك يعتبر الفيلم الاقتباس الثاني لأعمال “اوجست ويلسون” بعد “Fences” الذي يحتفظ بالحمض النووي للعمل المسرحي ويقدم قطعة تاريخية تتراقص علي ايقاعات موسيقي الجاز الكلاسيكية في كثيرٍ من لحظاتها.

النجم الشاب الراحل “شادويك بوسمان” يقدم ما سثبت للعالم ان “هوليوود” ستفتقد حتماً هذه الموهبة المتميزة، تعامل مثالي مع أركان الشخصية وتبادل الحوار بحيوية مع الشخصيات دون خمولٍ في الحفاظ علي نسق التجسيد والعمل علي تعزيز الأداء اثناء التحولات التي تطرأ علي الشخصية خلال الأحداث.

Ma Rainey's Black Bottom تشادويك بوسمان

لقد قدم “شادويك” شخصية “ليفي” كما لو كان يدرك أنها ستكون اخر أدواره في السينما، وسخر كل جوارحه لعكس الآم “ليفي” وصراعاه النفسي المتأثر بتبعيات الماضي و أحلامه التي يرغب بتحقيقها علي أرض الواقع، أداءٌ يجعله منافس حقيقي للسير “أنتوني هوبكينز” علي الاوسكار هذا العام، وان حاز عليها فهي مستحقة بلا أدني شك وليس كما سيقال أنها أعطيت له كجائزة شرفية لوفاته.

Viola Davis

ربما لن تحظي “فيولا دافيز” بالاهتمام الذي يحوز عليه “بوسمان”، ولكنها نجحت في مطابقة شخصية “ما” بأدائها الغنائي وتصرفاتها غريبة الاطوار وتعاملها الصارم مع معاونيها ومن يودون فرض شروطهم عليها رغم أنفها، فهي بلا شك تثبت كونها من النجمات ذوي العيار الثقيل في الأداء الدرامي، وقادرة علي التكيف مع تحديان الشخصيات المقدمة لها بسهولةٍ ودون عناء.

تشادويك 2020

في الختام، يمنح فيلم Ma Rainey’s black bottom نهاية مثالية لمسيرة “شادويك بوسمان” التي انتهت قبل أن يصعد الأخير الي اعلي قمم المجد ويقدم المزيد من العطاءات بعدما أثبت جدارته بحيازة اهتمام عديد صناع الأفلام، واضافة أخري لسينما السود التي تعبر عنهم وتصور للعالم مساوئ حيواتهم ومحاولاتهم الشاقة للهروب منها والبحث عن ايقاعاتٍ تنبض بالأمل والحلم بأمدٍ بعيد يتساوى فيه الجميع ولا يتفرقون.

اسامة سعيد

كاتب وناقد سينمائى بموقع بيهايند وطبيب بشرى، محب للفن بشكل عام والسينما بشكل خاص.

ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى