مقالات

Bohemian Rhapsody الأنشودة التي جعلت من المستحيل ممكناً

(قد يوجد فى المقال حرق لاحداث الفيلم)

في بداية عمري وإدراكي للفنون لم يكن هناك منفذ سوي التلفزيون المصري الذي كان يعرض الكثير من البرامج التي شكلت وعياً خاصاً بالفنون من سينما و موسيقي لدي أنا وكل أبناء جيلي، من بين تلك البرامج كان برنامج (العالم يغني) الذي شاهدت فيه لأول مرة فريدي ميركوري وهو يشدو علي المسرح إلي جانب زملائه في فريق كوين.

فريدي ميركوري، صوت من الألماس أكاد أجزم أنه لم ولن يأتي أي منافس له أبداً في القوة والرقة والعذوبة ،فهو مغني الروك الوحيد الذي يمتلك صوت جدير بالغناء في الأوبرا، صوت أوبرالي بروح الروك آند رول، فالأوبرا بعيدة كل البعد عن روح فريدي الثائرة علي كل شيء، المتمردة رغم كل شيء، قريبة كل القرب من رقي صوته وأغنياته التي بقيت رغم الرحيل المبكر لصاحب الصوت.
I Want to break free , God Knows I want to break free.

الثورة كانت شعار فريدي، بل كانت جزء لا يتجزأ من وجوده، ثار علي اسم ولد به لم يختره، فتحول من فاروق بولسارا لفريدي ميركوري، ثار علي أغنيات الروك السائدة فكتب أشهر أغنية روك في التاريخ Bohemian Rhapsody أغنية تحمل بين دقائقها الست روح الأوبرا ورقيها، حتي أنني أعتقد انه تمرد علي الحب في صورة اضطراب الهوية الجنسية كما تمرد علي شكل نجم الروك الرائج الحليق ذو الشعر الطويل فقص شعره وأطال شاربه، وتمرد علي الألحان الصاخبة فتجد ألحان كوين أقرب إلي الجمال والعذوبة والصخب المحبب للنفس.

فريدي المختلف في كل شيء، تراه علي المسرح غريب الأطوار، شعلة من الحماس، يمتلك المسرح ويأسر الجمهور حتي إنك لتظن أنه ليس من البشر ، فلا تفاعل كيميائي يعلو علي التفاعل بين فريدي وجمهوره ، واذا رأيته في لقاء وجدته مختلفا تماما ، خجول لا ينظر مباشرة لعيني من يحاوره ، هاديء جداً تحمل عيناه سحراً غريباً حتي أنني لا أستطيع النظر إليهما عبر شاشة اللاب توب يحمل بداخله طفلاً صغيراً يخشي الوحدة كأي من البشر ، فمن منا لا يحمل هذا الطفل بداخله حتي لو لم نعترف بذلك.
فريدي ميركوري الإسم الأشهر للمطرب الأعظم في التاريخ بشهادة الكثيرين، ذو البنية القوية والعينين البنيتين الثاقبتين الصاخبتين، تلك العينين اللتان تخترقان أسبار روحك علي الفور ، والشارب الكثيف والصوت الأوبرالي شديد العذوبة، قوي الإحساس ، صاحب الآداء الأجرأ والأشهر و الأقوي تأثيراً علي المسرح ، اذا أردت أن تعرف عنه فهناك العشرات من مقاطع الحفلات والأفلام الوثائقية، ولكن أن يتجسد أمامك في عمل سينمائي فهو شأن آخر ، خطوة ليست من السهولة بمكان، فمن يستطيع أن يضاهي فريدي بروحه المتمردة وشخصيته المتفردة والأكبر من ذلك مكانته في قلوب عشاقه ومحبيه .


لكن رامي مالك كان علي الموعد مع فريدي، لتنقلب حياته رأساً علي عقب وتتغير 180 درجة، ويسطع نجمه ويعلو قدره، مغامرة ومقامرة غير محسوبة العواقب ربما كانت ستصبح الضربة القاضية لمسيرته الفنية في بدايتها ، ولكنه امتلك من الجرأة ما أهله للموافقة ومن الموهبة ما جعل أقرب المقربين من فريدي وهم زملاؤه في فريق كوين برايان ماي و روجر تايلوريشجعون رامي ويوافقون علي تأديته للدور ويمدحون آداؤه المتميز في كل مناسبة.

Under Pressure أغنية شهيرة اشترك في كتابتها مع كوين دايفيد بوي تتحدث عن ضغوط الحياة وتأثيرها علي الجميع وكذلك تصف الحال التي كان عليها رامي بالتأكيد أثناء التحضيرللفيلم وأثناء العمل عليه أوحتي بعد عرضه في انتظار آراء المشاهدين، نعم فالأمر بتلك الصعوبة، فتشخيص فريدي ميركوري ليس باليسير أبداً ، خاصة وأن الكثير من معاصريه مازالوا علي قيد الحياة، وكذلك فهناك الآلاف من المقاطع علي اليوتيوب لحفلات كوين ولغناء فريدي وتفاعله مع جمهوره ، الأمر الذي جعل من مهمة 

.رامي حقاً المهمة المستحيلة 

Bohemian Rhapsody عنوان الفيلم الذي لم أتخيل له بديلاً، فتلك الأغنية هي النقطة الفارقة في تاريخ كوين والعلامة الفريدة المميزة للفرقة ، الأغنية التي تحمل بداخلها قلب فريدي ومخاوفه
I’m just a poor boy, I need no sympathy,
I’m just a poor boy, nobody loves me،He’s just a poor boy from a poor family,Mama, I don’t wanna die,I sometimes wish I’d never been born at all .


تلك الأغنية التي جمعت لغات عدة وثقافات عدة ، شعار فريق كوين الذين قدموا الحب للجميع ، الشعار الذي صنعوا منه فيلماً يقدم البهجة في زمن ندرت فيه.

يبدأ الفيلم بإستعداد فريدي للغناء في حفل Live Aid عام 1985 و قبل أن يرفع الستار نعود معه لبداية كل شيء، فهنا لا نجد فريدي طفلاً كعادة أفلام السيرة الذاتية حيث لم يتحدث الفيلم عن طفولته ولم يكن فريدي نفسه يتحدث عن طفولته فكل ما عرف عنها أنه ولد في زنجبار في سبتمبر 1974 وتعلم العزف علي البيانو في سن صغيرة، ثم هاجرت أسرته بعد ذلك إلي لندن عند اندلاع الثورة في زنجبار والتي قتل فيها عدد كبير من الآسيويين والعرب يقدر ب 20 ألف قتيل، مع لمحة من عمله وهو شاب كحامل للحقائب في مطار هيثرو الدولي ، وما كان ينعت به بأنه باكستاني بسبب لون بشرته الخمري ، ولكن الحقيقة أنه كان إنجليزي بالمولد والنشأة حتي قبل هجرة عائلته لإنجلترا حيث أن زنجبار كانت ولاية تابعة للتاج البريطاني. 
ثم ينطلق بعد ذلك لإنضمام فريدي للفرقة التي ضمت برايان ماي و روجر تايلور ليحل محل مغنيها الرئيسي الذي تركهم ليلتحق بفرقة أخري ليتكون فريق Queen الذي كتب تاريخ الروك في بريطانيا.
ينتقل الفيلم بخفة إلي أغنية Killer Queen التي صدرت في ألبوم Sheer Heart Attack عام 1974 وكانت مفتاح الشهرة والنجاح للفرقة والتي جلبت لهم الظهور علي التلفاز ثم جولة في أمريكا.
ننتقل بعد ذلك إلي أجواء A Night At The Opera الألبوم الأشهر لفريق كوين حيث أراد فريدي أن يصنع ألبوم يمتزج فيه الروك آند رول بفن الأوبرا وهي الخطوة الأجرأ علي الإطلاق فنشاهد خطوات التسجيل وما كان يحدث وراء كواليس تسجيل الألبوم ثم نشاهد رفض المنتج لإذاعة Bohemian Rhapsody علي الراديولأنه لم يفهما أولاً ولطول مدتها ثانياً ثم نشاهد كيف استطاع فريدي إذاعة الأغنية رغم كل شيء عن طريق صديقه الإذاعي كيني إيفيريت .

ويستمر الفيلم ليوضح وصول الفريق إلي المجد والشهرة وإلي قمة العالم ولكن للأسف تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن فتري بول برينتر وهو أحد العاملين في الإنتاج يتقرب من فريدي ويدفعه دفعاً من القمة إلي الهاوية ومن الموسيقي إلي المخدرات والسهرات الصاخبة ويبعده عن أصدقائه وكل من أحبوه بصدق حتي نقترب من النهاية والقشة التي قسمت ظهر البعير عندما يعلم فريدي عن طريق صديقته ماري أوستن أنه طلب للغناء في حفل Live Aid والذي سيشارك فيه أشهر المطربين علي مستوي العالم من أجل هدف نبيل وهو جمع التبرعات لضحايا المجاعات في أفريقيا ولكن بول رفض بالنيابة عنه دون أن يعلمه بالأمر فيقوم بفصله من عمله.

ويختتم الفيلم كما بدأ بحفل Live Aid وتصوير الآداء الذي صنف الأعظم من بين آداءات كوين علي الإطلاق وواحد من أعظم العروض المباشرة في التاريخ.

وقد لاقي الفيلم تقييمات متفاوتة علي المستوي النقدي ولكنه نجح نجاحاً منقطع النظير علي المستوي الجماهيري فأصبح الفيلم الأعلي تحقيقاً للإيرادات في فئته، ومن وجهة نظري الشخصية يحمل الفيلم العديد من الإيجابيات علي رأسها الآداء المبهر والمتفرد لرامي مالك،فعندما علمت أن رامي مالك هو من سيقوم بتجسيد فريدي تملكتني الدهشة، فأنا أعرف شكل فريدي جيداً، و رامي لا يشبهه البتة في الشكل ولا البناء الجسماني، هذا بالإضافة أنه لا يغني، ولكن بعد مشاهدتي للفيلم عرفت سبب الاختيار ، وإذا عرف السبب بطل العجب، فلم يكن باستطاعة أي ممثل آخر أن يفعل كما فعل رامي ، هذا الممثل الواعد الذي ذاب تماماً داخل فريدي حتي أنني وأنا أشاهده نسيت تماماً أنه رامي مالك ولم أتذكر سوي أنني أري فريدي ميركوري أمامي، فقد استطاع رامي بمهارة فائقة وموهبة لافتة أن يعيد فريدي للحياة، يعيده لجمهوره ومحبيه خاصة في الجزء المتعلق بحفل Live Aid حيث كدت أصفق بحرارة بعد مشاهدته فكأنني رأيت فريدي حياً يغني أمامي، كانت حقاً لحظات فارقة ربما تجلب الأوسكار لرامي مالك عن استحقاق.

Now I’m here غناها فريدي عام 1974 ليخبر الجميع أنه هنا، أن Queen هنا 
وحققها رامي مالك بآدائه الفريد فقال للجميع أنا هنا، فليشاهد الجميع ما الذي أستطيع عمله .
كذلك أحببت أن الفيلم لم يتعرض لفترة مرض فريدي بالإيدز وموته، فلم يستغل صناع الفيلم معاناته لجلب تعاطف المشاهدين، بل كانت أجواء الفيلم حماسية تفاؤلية كأغنية We are the Champions، كانت احتفالاً بحياة نجم ألهم الكثيرين وأسعد الكثيرين وليست مرثية لذهابه وموته .
ومن إيجابيات الفيلم أيضاً معرفة بعض المعلومات الجديدة عن كوين لا يعرفها غيرهم، فمثلاً هي المرة الأولي التي أعرف فيها أن برايان ماي هو من وضع الموسيقي الحماسية لأغنية We Will Rock You وكانت تلك الموسيقي المميزة جداً فكرته، إضافة إلي ذلك أن اللحظات الإنسانية التي جمعت فريدي بأصدقائه وعائلته علي قلتها لكنها كانت ذات تأثير عميق.


أما عن السلبيات، فيعيب الفيلم إغفال الكثير من المعلومات عن حياة فريدي مثل طفولته ومراهقته، ما سر حبه للموسيقي، متي وجد في نفسه موهبة الكتابة والتأليف، كيف جاءته فكرة Bohemian Rhapsody، من أين استقاها وكيف كتبها وكم استغرقته من الوقت، وغيرها من المعلومات التي وددت أن الفيلم لم يغفلها ، ولكني استطعت تفهم أن كل ما أراده صانعوا الفيلم هو تخليد ذكري فريدي وتكريم لروحه وإهداء الكثير من الحب لإسمه وتذكير الجميع بما قدمه للفن وأري أن الفيلم قد نجح حقاً في ذلك.
وفي النهاية أعتقد أن الفيلم مكافأة لعشاق فريدي ومحبيه، فإن كنت من محبي كوين فستسمتع بأغنياتهم الجميلة خاصة في جزء اللايف آيد , وان كنت لا تعرفهم فهي فرصة لا تعوض للتعارف والاقتراب من فريق من أعظم فرق الروك علي مدار التاريخ .
Who Wants to live Forever? Who waits forever anyway?
غناها فريدي وهو يصارع المرض في عام 1986، ربما كان يعرف الإجابة و ربما لا، لكنني متأكدة أنه هو نفسه إجابة هذا السؤال، فهو من سيعيش للأبد بفنه وأغنياته ومحبته الباقية في قلوب جمهوره ومحبيه.

رأيك مهم
Like
Love
Wow
Sad
You have reacted on "Bohemian Rhapsody الأنشودة التي جعلت من المستحي..." A few seconds ago

رانا مجدى

طبيبة نفسية، محبة للكتابة ومحررة بموقع بيهايند تعشق الفن السابع والموسيقى وكرة القدم.

ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock