مقالات

12 Angry Man – عندما يُعلي المجتمع قيمة حياة الإنسان

يستهل الفيلم مشاهده في المحكمة، عندما يشرح القاضي كل حيثيات قضية عن الفتى المتهم بقتل والده أمام اثنا عشر رجلا من هيئة الملحفين الذين يمثلوا المجتمع بأكمله باختلافه وتشعباته، فإما أن يُقروا ويصدقوا على جرمه أو ينفوا عنه التهمة في اختيارهم ” مذنب ” أو غير مذنب ، فيدخلون الغرفة التي سيقررون فيها بينما ينظر لهم الفتى نظرة أخيرة، نظرة لا تعطي انطباعات سلبية أو إيجابية ، هو تعبير محايد لا يطلب أن تكون معه أم ضده ، وهنا تتقاطع مشاعرنا وأفكارنا مع شخصيات الفيلم ونتساءل هل الفتى مجرم حقًا ؟

وعندما يدخلون الغرفة تبدو القضية في نظرهم محسومة ضد الفتى، فكل الدلائل تثبت جرمه، وسرعان ما ينعقد تصويت بينهم فيرفع الجميع أياديهم تأيدًا لاتهام الفتى ، ماعدا الشخصية رقم 8 ، رغم أنه لا يملك دليل ضد قراره، فيسأله الشخصية رقم 6 : إذا كيف تصوت بأنه ليس مذنبًا ؟

فيجيبه : هناك أحد عشر شخصاً صوتوا بأنه مذنب ، ليس من السهل عليّ أن أرفع يدي وأرسل ولدًا للموت دون التحدث عنه أولًا

ومن هنا تبدأ كرة الثلج بالتدحرج ككرة صغيرة ضعيفة حتى تصل في نهاية الفيلم إلى كرة عملاقة تكونت طوال رحلة دحرجتها على الطريق ، فالأمر المرهون بحياة إنسان كان سينتهي في بضع دقائق ، الآن سيتكلمون عنه لساعات ويخوضوا ويتعمقوا في حيثيات القضية أكثر، وكلما تعمقوا في القضية أكثر نعرف الكثير عن الشخصيات ، طباعهم، طبقتهم الاجتماعية، والخلفية الأسرية التي نشأوا بها، حتى نظرتهم في الحياة، فكأنها رحلة للأمام في أحداث الفيلم ، ورحلة للداخل في أعماق الشخصيات.. لأن الأمر يستحق إنها قيمة حياة الإنسان

– ينتهي قرار الشخصيات إلى أن الفتى ليس مذنبًا، لأنهم لا يملكون مايكفي لإثبات الجريمة، وينفرط عقد هذه الهيئة التي لن أفرادها بعضهم مرة أخرى، لو تخلينا هنا في نهاية الفيلم، أن الشخصية رقم 8 خرج من المحكمة، وقابل أحد الأشخاص وطمأنه أنه نجح في تعديل رأي هيئة المحلفين وأنه يعرف الفتى المتهم ومتواطئ معه، ثم يبتسم ابتسامة شريرة كأشرار أفلام الأبطال الخارقين ، ربما كانت ستكون مفاجأة كبيرة وصادمة حقًا تُعجب البعض ، لكن أين المعنى الإنساني الذي سيفكر فيه المشاهد ؟! قد دُهس تحت هوس اقحام الحبكة الملتوية والمفاجأة للجمهور (4 ) plot twist   ربما أكثر من المعاني الكثيرة التي يمكن أن تنضح بها القصة وتثري بها وجدان المشاهدين

لكن بدلًا من هذه النهاية، جاء الفيلم بدرس أخير لنا، ففي المشهد الأخير ، يعيد تذكرينا بمعلومة كنا نجهلها وتناسيناها مع توالي أحداثه ، عندما يسأل الرجل العجوز الشخصية رقم 8 : ما اسمك؟!

فيجيبه : ديفيس

يسلم عليه العجوز قائلا : مكاردل

ويتصافحا وينصرف كل منهما عن الآخر

نعم , نحن عرفنا تلك الشخصيات بدوافعها وخلفياتهم الأسرية والاجتماعية وهواجسها ومخاوفها المدفونة فيهم ، ولم نكن نعلم أسماءهم على الإطلاق، ولا حتى اسم المتهم الذي يتجادلون على حياته بأكملها فكانوا يذكرونه باسم ” الفتى “, كأن كاتب السيناريو يقول لنا بذكاء ليس المهم أن تعرف الشخص باسمه، المهم أن تعرفه وتقدره كإنسان.

الإخراج السهل الممتنع
وعلى المستوى الإخراجي كان هناك تحديات كثيرة واجهها المخرج Sidney Lumet ) 5 ) ليصنع تحفته الخالدة، فلدينا العديد من الصعوبات.

من ضمنها محدودية في المكان الذي يحدث به الفيلم، وهو غرفة المناقشة وحمام ملحق به فقط، بجانب كثرة الشخصيات وعدم تغيّرها، والأصعب أنه فيلم حواري يعتمد بالكامل على الحوار وما تكشفه من الحقائق لا على الأحداث المتتابعة المرئية، والحوار بين الأشخاص غالبا ما يكون بين الممثلين بلقطة أوفر ذا شولدر ( over the shoulder shot ) ، فيظهر الشخص المتحدث بوجهه بينما المُتحدث إليه بكتفه

* مثال على اللقطة *

-لكنه عالج تلك الصعوبات ببساطة قلما تجدها لدى أي مخرج , هو تحريك الشخصيات داخل الكادر, وتنوع مكان كل شخصية به، هل هو في خلفية الكادر أم في مقدمته أم منتصفه، واختيار زوايا مختلفة تسمح برؤية وتتابع سلس للمشاهد ، بطريقة ليست عشوائية على الإطلاق، بل تعكس طبيعة كل شخصية منهم ، وموقفه هل هو في موقف ضعف أم قوة،  فنرى الشخصية رقم 8 في البداية يؤخذ بلقطات ( normal level ) في مستوى نظره ، وعندما تشتد حجته وتلقى قبولا ، نراه في زاوية منخفضة ( low angle  ) تعكس قوته ورجاحة منطقه عند الآخرين.

الشخصية رقم 1 : أساس يبنى عليه كل شيء

الفيلم لديه العديد من العناصر الغنية، ومن أهم تلك العناصر هي الشخصيات والممثليين، فعندنا شخصيات عدة كان أبرزهما الشخصية رقم 8 الذي لعب دوره الممثل Henry Jaynes ) 6) والشخصية رقم 3 الذي لعب دوره الممثل Lee J. Cobb )7 )

– لكن هناك شخصية لا يلتفت إليها الكثيرون رغم أنه يمثل أهم معاني الفيلم، وهو الشخصية رقم واحد الذي لعب دوره الممثل Martin Balsam) 8)

– الشخصية التي تدير وتنظم النقاش بأكلمه، فبدون هذه الشخصية لن يحدث النقاش من أساسه، ولن نصل للمعنى الإنساني الذي يريده ، فلو تخيلنا أن هذه الشخصية لم تكن موجودة ، كانت ستكون المناقشة فوضوية لو ترأسها فرد ضعيف الشخصية، أو المتشدد دينيا ضد المراهقين والنساء ويراهم أقل منه مكانة وعقلًا، أو المستهتر الذي يريد أن يرحل ليلحق بمباراة رياضية ، أو الذي يحمل تحيز ضد الفتى بسبب عقدة أسرية عنده ، أو حتى شخص عقلاني مثل الشخصية رقم 4 لكنه لا يأخذ في الحسبان المشاعر والعواطف وتأثيرها في القضية

– من أهم مزايا شخصيته، أن رأيه منذ البداية واضح بأنه ضد رأي الشخصية رقم 8 ، لكنه لم ينكر عليه ذلك أو يرفضه ، بل أتاح له المساحة الكاملة لعرض رأيه والتناقش فيه ، وكان مراقب صامت يعطي لكل شخص حقه في التعبير، حتى وسط مشاحنات الجلسة ، والأهم أنه كفؤ حقًا على إدارة وتنظيم الحوار بينهم ، وفي نفس الوقت لا يتمسك بالسلطة التي اُعطيت له ، فنراه في العديد من اللقطات يعرض على أحدهم أن يدير الجلسة مكانه

فالدرس الذي نتعمله هنا، أن وجود مثل هذا الشخص في السلطة، تعتبر أهم بداية لأي دولة متحضرة، فهو نتيجة لمجتمع متحضر، وهو الذي يظهر معاني التحضر به .

حسن الشواف

روائى ومخرج وسيناريست افلام قصيرة من مواليد القاهرة، وطالب بالفرقة الرابعة كلية الإعلام قسم السينما، له ثلاثة روايات " ما فوق الدول - ثقب اسود - دائرة الدم " و "مؤسس صفحة ميزانسين "
زر الذهاب إلى الأعلى