مقالات

يوتوبيا احمد خالد توفيق الواقعية المناقضة لتصور توماس مور

في عام 1516 ألف توماس مور كتاب يوتوبيا، واستخدم مور هذه الكلمة لتصوير المدينة الفاضلة المثالية الخيالية التي يتحقق فيها الخير والسعادة لكل بني البشر وتمحي الشرور، وتبعه بعد ذلك العديد من الكتاب والمفكرين يضعون تصوراتهم اليوتوباوية فيما عرف بعد ذلك بأدب المدينة الفاضلة، وتنوعت تصوراتهم بين الوفرة المادية والعمر المديد وانعدام المعارك والحروب والتوزيع العادل للثروات بين الجميع، إلي أن جاء …

إلي أن جاء أحمد خالد توفيق للسخرية من يوتوباهم الخيالية التي لا تنم سوي عن أحلام وأماني بيوتوبيا مناقضة ذات صلة بالواقع، ففي عام 2023 (كمان 3 سنين) يسطع نجم البايرول في سماء سوق الإقتصاد العالمي ولم يعد الغرب بحاجة إلي بترول العرب، وأصبح البترول رخيصاً كالماء يمكن للعرب أن يشربوا منه لذلك اختفت الحروب، وتحقق التوازن أخيراً في النظام الطبقي حيث يتم طرد كل الطبقات تحت الأثرياء من الهرم الطبقي وينفرد الأثرياء به، ويقوموا بالتوزيع العادل للثروات بينهم، كل فرد ثري يحتكر سلعة معينة مثل الأدوية وهكذا، وأحاطوا الهرم بأسوار عليها حراسة من المارينز وأطلقوا عليه اسم يوتوبيا، أما خارج الأسوار فقد تساوي الجميع في الفقر ليرثي علي حالهم عبد الرحمن الأبنودي إحنا شعبين شعبين شعبين .. شوف الاول فين والتاني فين .. وأدي الخط مابين الاتنين بيفوت.

والغريب أنه رغم الفجوة الإقتصادية التي اتسعت لتبتلع الفقراء بداخلها اشترك المجتمعين في الإنحلال والإنحطاط الأخلاقي، فداخل الأسوار يتمتع الشباب الأثرياء بالمتع التي حولهم ويقبلون علي مخدر جديد يُدعي الفلوجستين والجنس، أما خارج الأسواء فرغم تعطل الخدمات كالكهرباء والصرف الصحي وعدم توافر الطعام والعلاج يقبلون الفقراء علي المخدرات الرديئة والدعارة، ولو وقع الفلوجستين في أيديهم فهذا أفضل يوم في حياتهم كلها.

تتمحور الرواية حول شخصيتين رئيسيتين: علاء من يوتوبيا وجابر من خارج الأسوار، وقُسمت إلي خمسة فصول كلها تحمل اسم الصياد والفريسة لنقل أحداث هذا العالم من علي لسان الشخصيتين اللذين يمثلان مجتمعيهما وإيضاح نظرة كل مجتمع للآخر، علاء: شاب حياته عبارة عن روتين كامل من الإستمتاع بالملذات المحيطة به، يستيقظ صباحاً .. يدخن .. يشرب القهوة .. يضاجع الخادمة الأفريقية .. يلتهم اللحم الأحمر .. يتجرع زجاجة ويسكي .. ينتشي .. يضحك ويمشي عارياً في الردهة .. ساعة واحدة يفعل فيها كل شيء ولا يتبقي شيء يريد فعله، لذلك يرغب في تجربة الصيد، وبديهياً كي تصاد لابد من وجود فريسة حية، خمن من الفريسة؟ دب أم غزالة أم طير!!، لا شيء من هذا الفريسة هي أحد الفقراء الذين في نظرهم حيوانات وربما في مرتبة أقل، ويقوم الثري باصطياد فريسته ثم قطع جزء منها ربما أذن ربما ذراع كدليل يتباهي به أمام أصدقائه علي شجاعته وتذكار يحتفظ به، وبالفعل يتنكر علاء ومعه صديقته جورمينال استعداداً للمغامرة التي سيحكي عنها لأصدقائه أثناء الإنتشاء أو ربما أثناء شرب الخمر، يتسلل علاء ويجد فريسته المناسبة وبينما يستعد للإنقضاض عليها يُكشف أمره فماذا سيكون مصيره هو وصديقته؟

جابر: شخص فقير يعيش مع أخته في كوخ مهترء، يحاول بشتي الوسائل أن يحمي أخته من المصير المظلم للفقر الشديد الذي يجعل العذراء عاهرة مقابل قطعة خبز، وعلي عكس أغلب مجتمعه الذي تجرد من انسانيته وأقبل علي المخدرات الرديئة حتي يغيب عقله عن الواقع الأليم المحيط كان مثقفاً يحب القراءة في زمن أصبحت فيه الكتب سلعة لا قيمة لها تُباع بالكيلوجرامات، ولذلك عندما أمسك الفقراء بعلاء من يوتوبيا قام بإختراع كذبة لإنقاذه لأنه يمقت العنف والدماء أو ربما …..

ما الذي يجعل الغزال يستضيف الأسد في بيته غير الأنا .. أنا لست مثله .. أنا أفضل منه .. فبينما هو أتي إلي أرضي لقتل أحد زملائي وأخذ تذكار منه لن أفعل المثل معه .. بل سأنقذه وآخذه في جولة يري كيف أصبح حالنا بسببهم وكيف هتك الفقر المدقع بآدميتنا لعله يتغير أو ربما حتي يعلم أننا أفضل من قومهم .. ولكن الأسد لا يري الغزال سوي أحمق ومغفل منذ قديم الأزل .. فبينما كان أباؤنا يغتنمون الفرص كنتم تقفون أمام طوابير الرواتب .. أنتم لم يفهموا اللعبة مبكراً لذلك هويتم إلي القاع .. ليس فقركم .. إنكم تدفعون ثمن حماقتكم و غبائكم و خنوعكم .. لذلك لن يتغير الأسد حتي لو وهبه الغزال الغابة بأكملها .. سيظل الأسد ينتصر دائماً في هذا الصراع حتي يفطن الغزال ويتجرد من نفسه ويتحول هو الآخر إلي أسد يواجهه بنفس أساليبه الدنيئة .. ائتمن الغزال الأسد علي بيته فما كان من الأسد إلا التصرف المعهود عنه .. أكل صغار الغزال (اغتصب اخته العذراء التي حاول أن يحميها طوال حياته) وقتل الغزال بعدما أنقذه وساعده في الرجوع إلي يوتوبيا مرة أخري وأخذ يده كتذكار ودليل علي مغامرته الجريئة التي وضع عليها بعض اللمسات المسرحية الجميلة .. هنيئاً لك أيها الجابر.

رواية مظلمة للغاية ومخيفة بشكل واقعي، لم تخلو من بعض العيوب مثل الإستعجال في بعض الأحيان وكروتة بعض الشخصيات الجانبية التي كانت تستحق مساحة أكبر، ولكن هذه العيوب لم تؤثر إطلاقاً علي متعة القراءة وذلك بسبب عبقرية الفكرة وروعة رؤية أحمد خالد توفيق، أما اللغة قد يراها البعض عيباً من عيوب الرواية ولكني أراها ملائمة جداً لعالم الرواية وحالة الإنحلال الأخلاقي التي وصل إليها الناس من إقبال علي المخدرات والجنس، وأعلم أن جابر كان مثقفاً ومختلفاً عنهم ولكن هذا لن يمنعه من التأثر بلغة مجتمعه، رواية رائعة للغاية وأنصح بشدة قرائتها.

محمد عرفان (Arf Ofy)

السينما هى كيفية أن تعيش أكثر من حياة .. حياة جديدة مع كل فيلم تشاهده .. وهدفي هو ترشيح أفلام جيدة ومختلفة تحترم عقليتك كمشاهد .. وتسحبك معها إلي عالمها المليء بالسحر والأفكار والمشاعر كي تعيش تجربة لا تُنسي تنغمس فيها بكل حواسك.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock