رمضان 2019مراجعات افلام

مراجعة مسلسل ولد الغلابة – ظاهرة مثيرة للجدل في الدراما المصرية

لقد شهد موسم “رمضان 2019” الدرامي ما يقارب خمسةٍ وعِشرونَ عملاً تلفزيونياً كان من ضمنهم مسلسل ولد الغلابة الذى أثار ضجةٍ هائلة علي كافة وسائل مواقع التواصل الإجتماعي و أثار حفيظة الكثيرين ممن يترددون علي متابعة الأعمال التلفزيونية الأمريكية.

ونخص بالذكر مسلسل “Breaking Bad” لأن ما حدث هو إتهام صريح من قبل شريحة عريضة من مشاهدي مسلسلات رمضان لصناع “ولد الغلابة” بالإقتباس والنقل من المسلسل الأمريكي سؤاء علي مستوي الشخصيات وتصميمها بكل ما ستشهده من تحولاتٍ فيما بعد في سياق القصة أو علي مستوي الأحداث التي -علي حسب ما قيل من البعض -تم إقتباس أغلبها بالكامل من مشاهد عدة من “Breaking Bad” بالنص وبالجمل الحوارية كذلك وأن هناك تشابه واضح للعيان بين العملين.لذا لن أكتفي بتقييم المسلسل بعد إنتهائه فحسب بل سأقوم بمزج التقييم مع رأيي الشخصي فيما يخص حقيقة بعض التفاصيل التي يدعي البعض أنها مشابهة ل”Breaking Bad”:

1-القصة كما يعرفها البعض تدور عن “عيسي الغانم” وهو مدرس تاريخ يتسم بالطيبة الشديدة التي قد تصل إلي السذاجة أحياناً تقتاده الظروف للدخول إلي عالم تجارة المخدرات حتي يصير لاعباً بارزاً في ذلك العالم الإجرامي و ذو شخصيةٍ قادرة علي إتخاذ القرارات المصيرية لتحقيق أهدافه والتغلب علي المصاعب التي تواجهه.

فكرة جيدة لم يقدم مثيل لها في الدراما المصرية في الأونة الأخيرة، وتمثل تحدي مختلف ل“أحمد السقا” الذي يعود من جديد للدراما الصعيدية بعد نجاح الساحق في “الجزيرة” بجزئيه الأول والثاني.

هنا كانت تلوح فكرة تشابه الشخصية مع “والتر وايت” أو “هايزنبرغ” كما كان يلقب نفسه، ولكن شتان الفارق بين الشخصيتين ولذلك أسباب مختلفة نستطيع أن نجزم مع متابعة أحداث “ولد الغلابة”:

أ- “والتر وايت” كان شخصاً ذكياً يمتلك نواةٍ بقلبه قادرة علي تحويله بالكامل لجانب الشر بسهولةٍ ويسر علي غرار “عيسي الغانم” الذي كان مجرد مدرساً للتاريخ له قيم ومبادئ حسنة ولا يمكن لعقله أن يرسل له أوامر قيامٍ بتصرفات يغلب عليها طابع الذكاء والدهاء.

ب- الخطة الممنهجة التي كان يتبعها “والتر” للوصول لغايته والتي تنم عن دراسةٍ لقواعد لعبة عالم الميث وكيفية الخروج منها اقل خسائر والملايين من الأموال الطائلة، عكس “عيسي” الذي كانت قراراته وليدة اللحظات العصيبة التي كان يتعرض لها مع “فرح” لم يكن مخطط لها لا من قريب أو بعيد.

ج-مصير الشخصيتين في النهاية ،رغم أنه يتشارك في نقطة معينة ومصيرية والأقرب أيضاً للمنطق (لن يتم ذكرها لتجنب الحرق)، إلإ أن وضعية كل واحدٍ منهما كانت مختلفة عن الأخر قبلها، ف“عيسي” حينها كان في موضع القوةٍ والأموال كانت تجري من تحت قدمه، عكس “والتر” كان ينشد الإنتقام ممن سرقوا أمواله وهو لي مشارف الموت حيث أنه قد وصل لمراحل حرجة في صراعه مع مرض السرطان.

لذا، لا يمكن الجزم بأن هناك إقتباسٍ لشخصية “عيسي” من “والتر وايت”، بل هناك إثباتاتٍ تم ذكرها بوضوحٍ عن الإختلافات بين الشخصيتين ،وتلك هي البداية التي تزيل الغبار مبدئياً عن فكرة الإقتباس حتي يتم إستعراض باقي تفاصيل التقييم والتعمق أكثر فأكثر في جوانب العمل.

2-السيناريو إجتهد كاتبه “أيمن سلامة” في تقديم خلفية مناسبة عن الشخصيات جميعها بشكلٍ عام وعلي “شخصية” عيسي بشكلٍ خاص الذي سعي السيناريو إلي تسليط الضوء علي الخلفية الإجتماعية  لعائلته وسؤء أحوالهم الدنياوية وهي تركيبة فريدة من نوعها أعطت للعمل وزنه الدرامي في ثلثه الأول ومع التحولات التي طرأت البعض من أفراد العائلة، بدأت تظهر ملامح تطور لتلك الشخصيات بجانب ظهور أبعاد أخري غير متوقعهم ساهمت في قوة تأثيرهم بالأحداث لفترة ليست بالقليلة علي الإطلاق.وهنا يطرح سؤال إجابته في غاية السهولة: “هل ما تم ذكره سلفاً يوجد ما يشبهه في “Breaking Bad” ؟

الإجابة ستكونُ قطعاً بالنفي التام فعائلة “والتر وايت” كانت علي موقفٍ مغاير منه بعدما حط رحاله داخل أسوار عالم الميث وتدهورت علاقته بهم وصاروا يمقتوه بكل تصرفاته وأفعاله، عكس عائلة “عيسي” الذي كان فيهم من يمتلك عقلية شاذة بعد الشئ عن العقل والمنطق وتصرفاتها توحي بذلك مثل “حمزة” ذلك الرجل الأهوج ذو العقلية القاسية و “صديق” البخيل الذي يأبي أن يساهم مع عائلته في ضائقتهم والذي وصل به الحال في الثلث الأخير من المسلسل بعدم تنفيذ أوامر أخيه والشروع في الإستمرار في عالم المخدرات لوحده حتي يتمكن من جني أموالً لنفسه الأمارة بالجشع.

الحلقات العشر الأولي كانت بمثابة مفاجأت مدوية للجمهور الذي لم يتوقع كل هذه المخاطرات التي إتخذها السيناريو والتي برغم مساهمتها في تقديم أوراق إعتماد المسلسل كعملٍ من الممكن أن يلبي طموحات الساعيين إلي أعمالٍ درامية مميزة، إلإ أنها دقت أجراس التساؤلات عن مصير المسلسل في ثلثيه الباقيين وحجم التحديات التي ستواجه “عيسي” بصحبة “فرح” فيما بعد. 

تراجع المسلسل قليلاً في ثلثه الثاني وذلك منطقي نظراً للبداية القوية التي فأجأت الكل، ولكن تغلغل ذلك بعض المشاهد قليلة المستوي وخصوصاً تلك التي جمعت “عيسي” ب“فرح” حيث إتضح غياب التناغم بين “أحمد السقا” والممثلة رغم أنف الجميع “مي عمر” بجانب ظهور نفحاتٍ من الا منطقية في بضع مشاهد،لكن نجح السيناريو في ضمان إستمراره علي النسق التصاعدي للأحداث التي فأجأتنا مرة أخري بحملها للكثير من التفاصيل الجديدة والتطورات التي ستشهدها القصة والشخصيات في أن واحد.

لكن الثلث الأخير كان جيداً ونجح السيناريو في التمهيد بأسلوبٍ مناسب للنهاية التي تعتبر الأكثر منطقية والأكثر تناسباً مع بقية أحداث ذلك الفصل بالتجدي والتي طرحت بدورها أيضاً رسالة إجتماعية هامة عن الشر ونتاج من يقع فيه.

لذا السيناريو كان ناجحاً إلي حدٍ كبير ويحمل بذور فكرةٍ جيدة شهدت العديد من التقلبات والتطورات الصادمة تستحق المتابعة وترقب كل ما يكان يحدث نتاجها.

3- التجربة الإخراجية ل”محمد سامي” احد المخرجين الذين لم يكلل لهم النجاح سوي في هذا المسلسل-كانت جيدة بلا فلسفة إو إستعراض في الإمكانيات، خصوصاً في تصميم الإنتاج وإختيار الموسيقي التي أجادها الملحن “عادل حقي” وكذلك النجاح الباهر في إبراز أدائات الممثلين حيث أن العمل قد شهد تالق الكثيرين من أبطاله عدا فرداً واحداً فقط (الكل بالتأكيد يعرفه) لدرجة أنه يصنف كواحد من أفضل الفرق التمثيلية في رمضان 2019.

4-علي ذكر فريق التمثيل، فوجب الإشادة ب “أحمد السقا” الذي أجاد للمرة الثانية بالزي الصعيدي وبلهجة صعيدية خالصة ونجح في إضافة دوراً هاماً له فمسيرته الفنية بعدما استطاع أن يغطي بأدائه كافة جوانب شخصية “عيسي” يعكس طبيعتها الطيبة والساذجة في البداية بتميز كبير و إبراز تحولاتها أيضاً ببراعة كبيرة ،فهو يعتبر ضمن أفضل من قدموا أدواراً جيدة هذا العام (وليس الأفضل لأن محمد ممدوح في “قابيل” هو الأفضل بكل تأكيد).

لكن المفأجاة التي قدمها المسلسل علي مستوي التجسيد لم تكن متمثلة في “السقا” أو “مي عمر” ، بل تتمثلت في النجمة الشابة “إنجي المقدم” التي بات من الواضح إرتياحها بالعمل مع “السقا” فظهرت بأداءٍ يوفق التميز بمستويات عدة ونجحت في خطف البساط هي الأخري مناصفة مع “السقا” وأصبحت حديث الجمهور بما بذلته من جهدٍ لتجسيد شخصية “صفية” علي أكمل وجه ولفت الإنتباه بموهبتها القديرة وتقمصها المناسب للشخصية المكتوبة.

حتي وإن شهدت الشخصية تراجعاً كبيراً بعد إنقضاء ثلث المسلسل الأول، إلا أنها حافظت علي ثبات أدائها وثباتها الإنفعالي الناتج عن ما تعرضت له من مواقف بجانب الغل والحقد التي نما بداخلها تجاه “عيسي” بعدما دخل إلي عالم المخدرات.

المخرج “محمد سامي” من الواضح أنه لن يتخلي عن وجود “مي عمر” بأعماله، ولا يزال غير مقتنعٍ بأن “مي عمر” ليست ذو موهبة تمثيلية ولا تمتلك مقومات لعب مثل دوراً رئيسياً كدور “فرح”، فأدائها بالي مكرر وهي السبب الرئيسي لغياب التناغم عن مشاهدها مع “السقا”،حتي في لحظات الإنفعال نتيجة تعرضها لمواقف عصيبة أو إرتجالها الصرامة في التعامل مع زوجها “عزت” ، يغلب علي أدائها المبالغة وقلة الموهبة.

لذلك لابد علي المخرج “محمد سامي” أن يعي بضرورة عدم مجاملة زوجته في أعمالٍ هامة وأن يترك الأمر لممثلاتٍ يستحقن الفرصة ومن ذوي الموهبة والقيمة الفنية للوقوف امام نجم كبير بحجم “أحمد السقا”.

الأدوار الثانوية كما ذكرت سلفاً كانت جيدة وأخص بالذكر الثلاثي كريم عفيفي “حمزة” -إدوارد “صديق”- والجميلة هبة مجدي “زينب” الذين بصموا علي أدائاتٍ إستثنائية في أدوارٍ لم يكن من المتوقع ان تشغل مساحاتٍ متعددة في سياق الأحداث. 

التقييم النهائي

مسلسل “ولد الغلابة” عمل جيد كان ينقصه بضع تفاصيل صغيرة لكل يصل لدرجة الكمال، قصته قصة نجاح في البداية وسقوط في النهاية ، بداية مبشرة في الفصل الاول تراجع طفيف في الفصل الثاني وعودة مقبولة في الفصل الثالث مصحوبة بنهاية منطقية عكس ما يروجه الكثيرون، به اداءات تمثيلية باهرة وعلي رأسهم “أحمد السقا” بجانب أداء عادي وأقل من المتوسط من قبل “مي عمر”.

قد يصادف أن يكون هناك تشابه للفكرة مع فكرة “Breaking Bad” لكنه تشابه في التيمة فقط وثلاثٍ أو أربع مشاهد لا أكثر أو أقل يشبهوا المسلسل الأمريكي، فهناك علاماتٍ كثيرة تدل علي أصلية قصة “ولد الغلابة” مثل شخصية “صفية” شقيقة “عيسي” و “فرح” تختلف تماماً عن شخصية “سكايلر” في “Breaking Bad” وكذلك “حمزة” وبقية أفراد عائلة “عيسي”، حتي “ضاحي” الذي جسده النجم المتالق دوماً “محمد ممدوح” لا يوجد مثيل لها في “Breaking Bad”.

التقييم الرقمي :8/10

اسامة سعيد

كاتب وناقد سينمائى بموقع بيهايند وطبيب بشرى، محب للفن بشكل عام والسينما بشكل خاص.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock