مقالات

مراجعة فيلم The Lion King – حينما تفقدك التكنولوجيا متعة التجربة

The Lion King يومٍ جديد تشرق شمسه وتطل ببهائها الجميل فتفترش السماء بغطائها الساطع،تدلي بجدائلها كلها علي سائر أرجاء المملكة بضوئها الذي يشق ظلمة الأفق،جموعٍ من الحيوانات تشق طريقها بإيقاعٍ واحد لا يتغير نحو وجهةٍ موحدة ستشهد المولد المنتظر لسيد القوم المستقبلي، والذي سيكمل مسيرة والده ويحكم بدوره تلك الأراضي الواسعة التي تحممها الشمس بأشعتها، وتنبت فيها الأشجار والزهور تخترقها أنهار المياه العذبة وتحلق فوقها أسراب من الطيور تنبض أجسادهم بالحيوية والنشاط.

“سيمبا” الشبل الصغير الذي حاول التشبث بوالده الحكيم كي يعلمه معاني الحياة السامية، ويسقيه من عصارات قيمها سوائل العزة و التودد بظاهر الإجلال لعشيرته دون تفرقة وكذلك إدراك وجوب إستمرارية الحياة بمسارها الدائري المعتاد.

لكن الرياح تأتي بملا تشتهيه السفن، حينما طاردته كائناتٍ استقر الخبيث بها، أورطة جائعة للشر يتدلي لعابها من شدقتيها، يحركهم لسانٍ مخادع تهيج ذاته بكره غائر وأحقادٍ دفينة مطمورٍ في القلب، تجمعٍ مختزن من الرغبات الحيوانية تدفعه هو ومن معه لإرتكاب جريمةٍ خسيسة أفقدت الحياة توازنها وصار الشر يطرق الحديد وهو ساخنٍ بلا عائقٍ، تمتد الأيادي له فيمنح لصاحبها ملا يستحق وتكافئ بأفعالها الفوضي العارمة.

ليمر الوقت ويبدأ قدره المحتوم في ان يلوح نصب عينه،بعدما طاوع قلبه النسيان وإستجاب لمصير إنزوائه عن عالمه الحقيقي،ينظر إلي السماء بروضتها المزهرة، صوتٍ عتيد يأمره بأن يسبر بأغوار نفسه الغائبة عن وعي حقيقتها ويملئ بالأمل عتمة قلبه المظلمة، فيشرع في العودة إلي مسقط رأسه كي يبر بقسم الولاء الذي قطعه علي نفسه يوماً ما و يقتلع بدوره جذور الشر من مكمنها الذي لا تليق به، حتي تدب الحياة من جديد في سائر الأرض وضواحيها ،فيتحرر الجميع من فتورها ويتبدد خوفهم ويفيقوا من ذل الأسر الذي لحق بهم.

معلومات لا تعرفها حول النسخة الحية من فيلم The Lion King

The Lion King كان حدثاً سينمائياً كبيراً منذ عرضه بصالات السينما عام 1994 وإنهالت عليه المديح سواءاً من الصغار والكبار، فهو ليس فيلم رسوم متحركة فحسب، بل كان يحمل في طياته الكثير والكثير من المعاني الإنسانية والقيم الأخلاقية التي تعزز دور السينما في كونها رسالة مرئية تحقق التوازن بين المضمون الفني والثقافي في آنٍ واحد.

فهو يبرز بدوره مدي أهمية الإيمان بالقدر وتعظيم وجوبية دوران الحياة بمسارٍ محددٍ لها لا تحيد عنه،ويقدم صورةٍ مبسطة عن هوية الحاكم المثالية وكيفية إدارة مقاليد الحكم علي النهج الصحيح ،ويعكس أيضاً آثار الشر علي النفس بوضوحٍ شديد ومدي إمكانية الإستجابة لنزوات الغل والكراهية التي تشكل خطراً داهماً علي حياة الأخرين.

ولأن “ديزني” زاع صيتها بكثرةٍ عندما شرعت في بدء تقديم النسخ الحية من إصداراتها السابقة كنوعٍ من الإنتعاشة لسينماها، وقع الإختيار علي The Lion King ليكون تميمة حظ “بوب إيجر” ورفاقه في تكملة سلسلة نجاحاتهم الجماهيرية والنقدية نسبياً، وإيقاظ ﺍﻟﺬﻛﺮﻳﺎﺕ ﻭ ﺇﻓﺎﻗﺔ ﻟﻬﻴﺐ الحنين لماضٍ حافلٌ بأفلامٍ محفورة في أذهان الأنصار حتي وقتنا هذا.

ولكنه كان قراراً خاطئاً علي كافة الأصعدة!!!!!!!!!

في بداية المقال، أحببت أن أسرح بمخيلتي وأتخيل بقلمي المبتدئ ومضات الفيلم وأعبر عنها بأسلوبي الخاص، وقد هداني فكري لذلك بنجاح نابعاً من كون الفيلم الأصلي مليئٌ بالمشاعر الراقية والتفاصيل التي تشعرك بدفئ قصة الفيلم وإحتوائها للمشاهدين في رحلة شاعرية داخل أعماق الغابة.

لكن تلك النسخة “خالية” من كل ما كان يرمز للنسخة الماضية بالتفوق علي كافة الأصعدة، وخصوصاً تعبيرات الوجه الخاصة بالحيوانات، “جون فافرو” جردها بالكامل من جل معانيها الحسية ونسماتها الدرامية المختلفة، مستعيناً بتكنولوجيا البصرية التي رغم نجاحاها في إرثاء العالم الذي تدور فيه الأحداث بمظهره الطبيعي الخلاب، الإ ان تصميماته المتعلقة بأشكال الحيوانات المختلفة كانت أشبه بتلك التي تظهر في الأفلام الوثائقية عن عالم الحيوان وما إلي ذلك.

بمعني آخر، كانت النسخة الماضية كفيلة بنقل المشاهد من حالة الترقب للأحداث إلي حالةٍ من التواصل معها ويستأثر بمفرداتها الدرامية التي كانت تمسه بمسٍ شاعري كبير لا مثيل له ،عكس تلك النسحة الحية التي فشلت تماماً في تكرار فلسفة النجاح المحورية التي أثقلت أهمية الفيلم الأصلي، وتسببت في وابل من الهجوم الحاد علي “ديزني” بأن الغرض من هذا قد يكون تجاري في المقام الأول يهدف لكسر حاجز البليون دولار بشباك التذاكر علي حساب القيمة الفنية التي لا بد من إستثمارها بالجودة الازمة في تلك النسخ الحية.

ما قد يثير حفيظة البعض هو فكرة أن هذا الفيلم نسخة طبق الأصل من فيلم التسعينيات بنفس اللقطات وترتيبها وجملها الحوارية، فلم يكن هناك داعيٍ لتكرار التجربة بتقديمها علي شكل نسخة حية طالما أن المؤثرات البصرية ستفقدها جودتها  المعهودة بجانب عدم الإكتراث لتقديم شئٍ جديد ومختلف يضيف للقصة عنصر مفاجأةٍ يُباغت به المشاهد ويعكس جرأة صناعه في محاولة الخروج عن النص ولو قليلاً في سبيل ترك بصمةٍ مختلفة تحمل إسمهم.

من وجهة نظري المتواضعة، ربما فضل “جون فافرو” عدم العبث بأسس القصة المعروفة وتقديمها كما هي لكي يحتوي العمل عدداً هائلاً من الأنصار سؤاءاً أكانو صغاراً لا يعرفون بعد قصة الأسد المللك أو كباراً ممن يعشقون الفيلم السابق ويحفظونه عن ظهر قلب، وكذلك النجاة من فخ الإنتقاد الذي من الممكن أن يطوله حال إضافاته شيئاً جديداً لن يؤتي بثماره فنياً وجماهيرياً.

علي الجانب الأخر، ربما أنقذ الأداءات الصوتية للحيوانات ما تبقي من رصيدٍ له عند الجمهور رغم سؤء جودة المؤثرات التي أهدرت المجهودات المضنية للنجوم المشاركين بالعمل، علي رأسهم الثنائي “بيلي إيكنر” و”سيث روجان” مجسدي الأدوار الصوتية ل”تيمون” و”بومبا” اللذان يعتبرا من أحب الشخصيات لقلوب المعجبين، فقد نجحا في إضفاء اللمسة الكوميدية المعروفة عن الشخصيتين بإمتياز خصوصاً “روجان” الذي نجح في تقليد ضحو “بومبا” الشهيرة فيسري في الجسد لحظة عابرة من الحنين للماضي وقت ظهور تلك الشخصيات لأول مرة علي الشاشة.

ليس هذا فحسب، بل نجح أيضاً النجم “شيوتيل إيجيفور” في تقديم نسخته الخاصة من “سكار” مبتعداً بالكامل عن محاولات تقليد أداء “جيريمي إيرنز” الأسطوري للشخصية، فقد تمكن “إيجيفور” من إرتجال الصوت المناسب ل”سكار” بنبرة صوته الجنونية المحملة بنفحات الغل والكراهية للغير، ربما لم يتم إستغلال مقدرته في الغناء علي النحو الأمثل، وذلك لسببٍ معين لن يتم ذكره لتجنب الحرق.

التألق كذلك كان حليف الثنائي “دونالد جلوفر” و نجمة الغناء “بيونسيه” ،فبرغم سطحية التناغم بين شخصياتهما لغياب النزعة العاطفية بينهم نتيجة ضُعف المؤثرات إلا أنهم نجحوا في إضافة لمساتٍ لا بأس بها من التوازن الذي تجعل المشاهدين علي تواصلٍ معهما يعوض نسبياً غياب الحس الظاهري الذي تأثر بفتور التجربة البصرية.

لكن ما من شئٍ يضاهي الرهب الذي ترتج له أجسادنا حين سماع صوت القدير “جيمس إيرل جونز” في دور “موفاسا” بنبرته الخشنة التي تتسرب للآذان فتطربها بما لذ وطاب من الكلمات التي تارةً تعطينا دروساً حياتية قويمة وتارةً تذكرنا بالأيام الخوالي حينما طل “موفاسا” علي الشاشة لأول مرة بوجهه الصارم ووقاره الافت فنستعذب كلماته وإيقاعها الشاعري الذي يترك بصمةٍ خالدة في نفوسنا جميعاً.

الفيلم يصلح للمشاهدة مرة واحدةٍ فقط ثم تصير بعدها في طي النسيان، فبرغم تفوق الأداء الصوتي، الإ ان التجربة البصرية لم تقدم شيئاً مختلفاً يذكر بل ساهمت في فقدان المتعة وغياب الصبغة الدرامية الذي لامست قلوب الجميع من النسخة السابقة.

لكن برغم ما ذكر سلفاً، فالفيلم من المتوقع أن يحقق أرقاماً خيالية في شباك التذاكر وذلك لأن ديزني ترفع شعار “هاكونا ماتاتا”-لا قلق علي الأرباح فجماهيرها تنطلق مسرعاً للصالات لمشاهدة الفيلم والإستمتاع به مهما كانت رتابته وقسوة  الهجوم الحاد عليه من قبل النقاد.

اسامة سعيد

كاتب وناقد سينمائى بموقع بيهايند وطبيب بشرى، محب للفن بشكل عام والسينما بشكل خاص.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock