مراجعات افلام ومسلسلات

مراجعة فيلم The Father – صورة واقعية لمراحل أواخر العمر

منذ فتراتِ طويلة، لم تكترث السينما الهوليودية لطرح أفلامٍ تسلط الضوء علي الفترات الأخيرة في حياة الانسان حينما يبلغ سن العجز ويبدأ في الصراع الممتد مع امراض الشيخوخة والزهايمر وخلافهم، ربما تناسي صناع الأفلام ان تلك المراحل الزمنية قد تشكل قطعة هامة ورئيسية في رحلاتهم السينمائية المستوحاة من الواقع والتي تلقي رواجاً كبيراً بين جمهور الفن السابع، لذلك ظهر في السنوات الأخيرة مجموعة من الأفلام التي تعرض مسارات حيوات العجزة ومعاناتهم، كم تم السماح لهم بلعب الأدوار الرئيسية بها وبتحديات صعبة لهم علي مستوي التحضير والتجسيد.

ساهم ذلك في توثيق كون السينما وسيلة عرض واستيعاب ما يحدث من تطور ديموغرافي في المجتمع، ومجالاً لمعالجة عدة قضايا تخص ذلك الشق بالتحديد و استعراض المخاوف التي قد تواجه الإنسان في مسيرته نحو تلك المرحلة من حياته، وقد توافرت الجودة الفنية لتلك الأفلام نتيجة اختيار النجوم من ذوي كبار السن في دور البطولة وتوفير المادة النصية التي يتماشى من خلالها المتلقي مع المسن خلال صراعه مع التراجع الفكري والاضطراب النفسي والمعنوي بفعل تقدم العمر والشيخوخة.

مراجعة فيلم The Father

في  فيلم The Father يراهن المخرج والكاتب المسرحي “فلوريان زيلر” علي النجم الكبير السير “انتوني هوبكنز” من أجل مقاربة المسافة بين الشباب المتيم بأفلام الحركة والدراما الخيالية وبين الفكرة العامة التي ذكرت سلفاً، وتوثيق مادة مرئية تراعي الدقة في طرح التطورات العديدة التي تطرأ علي الانسان في آخر حياته وتأثيراتها علي كفاءته الاجتماعية والتدهور التدريجي في قدراته العقلية والشخصية.

ساعة ونصف لا شك انها من افضل الرحلات الفنية التي تطرقت للواقع بطريقة يشتد من خلالها العقل تمعناً في تلك اللحظات العصيبة الي من الممكن ان ننسي فيها العالم ونُنُسي فيه.

تدور احداث فيلم The Father عن “أنتوني” العجوز الذي يرفض أية مساعدة من ابنته “أن” بعد وصوله لسنٍ كبيرة وبات غير قادراً علي إعالة نفسه، وبينما هو يحاول ان يستوعب ما يحدث من حوله، يبدأ “أنتوني” في الشك في طبيعة حياته والمقربين منه وفي صحة قواه الجسدية والعقلية.

THE FATHER MOVIE

ركز الثنائي “فلوريان زيلر” و”كريستوفر هامبتون” في السيناريو علي تركيز منظور السرد للقصة من وجهة نظر “انتوني” عكس عديد الأفلام التي تعكس ذلك المضمون كليتاً وتبصر بعيون الاخرين علي ضحية المرض وكبر السن يتهاوى جسدياً وذهنياً نصب أعينهم، ساهم ذلك في رفع مستوي التركيز عند المشاهد الذي يراقب الوضع ويتصدر للمواقف العصيبة التي يعيش علي آثارها “أنتوني” كأنه يقطن بداخله ويحس بجل مشاعره تسقط سقوط الحر الذي كبله المرض بأغلال الهوان والضعف.

سيجد من يشاهد الفيلم نفسه يتساءل عديد الأسئلة ويصدم بلحظاتٍ مربكة ومحيرة قد تنتزع الفرد من مكانه فزعاً ورهبةً مما يحدث، وذلك لان سيناريو “زيلر” و”هامبتون” فرضا نسقً تصاعدياً للأحداث يزداد تأثيره ليس فقط عاي شخصية “انتوني” بل علي المشاهد أيضاً.

قد يفهم القارئ خطأً أنه للحظات قد يراوض البعض إحساس تعايش الشخصية في أجواء من التعب النفسي او السيكولوجي، هو ليس رعباً بالمعني الحرفي بل هو مجرد إحساس خافت من التوتر كحال “أنتوني” يزداد تدريجياً بمرور الوقت وثقل التضارب الحياتي الذي يمرق بداخله “انتوني” ولا يعرف فيه الصواب من الخطأ.

the-father-olivia-colman-anthony-hopkins-zeller-slice

للمفارقة وحتي يعطي “هامبتون” و”زيلر” حقوقهم، قد قاما بفرض حالة من اللحظات خفيفة الظل كي لا يبدا في الفيلم في النضوج القصصي مبكراً ويثبت النسق علي الايقاع المحدد او المنطقي ان صح التعبير لحبكة مثل هذه، هناك بضعة ضحكات لا بأس منها وطرافة في شخصية “أنتوني” حتماً ستحبب المشاهد في الشخصبة تمهيداً لخوض رحلته لمعرفة الواقع الحقيقي الذي يعيش فيه والوصول لمرحلة نهائية تعينه علي مواصلة ما تبقي من حياته، هي بالفعل تجربة “فلوريان زيلر” الاولي في السينما.

ولكن بانقضاء زمن فيلم The Father لا يمكن ان يشعر أحد بانها من صنع جديدٍ علي الفن السينمائي، بل انها ابداعُ محترف عرف حقيقة الاوقات الاخيرة من العمر ونقلها بكل واقعيتها للوسيلة المرئية الأهم علي المستوي العالمي.

إخراجياً، تأثر “فلوريان زيلر” بطريقة السرد المسرحي من ناحية الاعتماد علي لقطات طويلة حوارية بين الشخصيات وبعضهم البعض، مما أضاف ذلك إلى حالة الرهبة المستمرة التي تتدفق عملياً خلال كل لحظة من لحظات الفيلم، حتي في التوليف البصري هناك بعض المؤثرات الخاصة التي كانت مفيدة لعكس جزئية رئيسية من حالة التخبط الذي أصابت “انتوني” في ادراكه لما يحدث له، هي دراسة سينمائية موثقة بكل عناوينها المقتبسة والمسرودة في القصة التي انسابت داخل اطار فني تارة تشعر المشاهد بالتعاطف الحسي وتارة تسبب العديد من التخوف من هول معايشة عذاب “أنتوني” الرهيب في وقتٍ لاحق.

THE FATHER

وسط هذه الإسهامات التي جعلت من الفيلم مادة سهلة الهضم سينمائياً، يأتي أداء السير “أنتوني هوبكنز” مشعاً بالعبقرية في التجسيد والتقمص المثالي لحالة الشخصية والتحولات المتوالية التي تطرأ عليها بمرور الاحداث، المذهل في أداء “هوبكنز” هو حفاظه التام علي رونق تجسيده علي مدار الفيلم بأكمله وتمايله مع تطوراته بتفجرٍ عظيم في القاء الحوار وارتجال للانفعالات بكل حيوية ونشاط علي غرار العام الماضي في “The Two Popes“، للمرة الثانية علي التوالي يعود “انتوني هوبكنز” الي سابق عهده مع الأدوار الجيدة وتحت انظار خبراء موسم الجوائز الذين بلا شك سيتوافقون علي منح الاوسكار الثانية في مسيرته كممثل.

ربما لن تحظي “أوليفيا كولمان” بنفس درجة الإشادة التي حاز عليها “هوبكنز”، ولكنها تقدم اداءاً واقعياً ونموذجاً للمعاناة التي قد تلحق بأية فردٍ من العائلة يرقب العزيز عليه يتهاوى علي جميع المستويات، ما قامت به “اوليفيا” كان ترسيخاً لصبرها علي ما ال بوالدها ومحاولتها الجادة في التواصل معه وهدايته للشيء الذي قد يريحه ويهنأ به في اخر أيامه.

كما استطاعت ان تجسد بتعابير وجهها مدي صعوبة الامر وحدة وطأته عليها نتيجة تمرد الاب بصفة مستمرة، لقد كسبت السينما البريطانية نجمة لامعة لازال هناك الوقت امامها لتصنع الأمجاد في بلادها وفي هوليوود علي الجانب الاخر.

في الختام  قدم “فلوريان زيلر” صورة اصلية وعاطفية علي نحو كبير لعقل منكسر متشتت بفعل السن والعجز الحتمي لا يقوي علي فهم الوضع المحيط به، وبأداء تجسيدي يأسر القلوب من قبل “انتوني هوبكنز” و”أوليفيا كولمان”، فيلمٌ كان بمثابة المتاهة المعقدة التي ترصد الواقع وتعرض ظاهرة حياتية بأسلوب لم يقدم مثيل له من قبل.

اسامة سعيد

كاتب وناقد سينمائى بموقع بيهايند وطبيب بشرى، محب للفن بشكل عام والسينما بشكل خاص.

ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى