مراجعات

مراجعة فيلم the card counter – حينما يحاول الإنسان تعديل مساره المعتل

مراجعة فيلم the card counter

لمن لا يعرف “بول شريدر”، فهو أحد الكتاب الذين توهجوا في البداية بصحبة القيدوم “مارتن سكورسيزي” وكتب له أربعة أفلام أهمهم بالطبع تحفة السبعينات وأفضل أفلام النجم “روبرت دي نيرو” في مسيرته “Taxi Driver”، ثم بعد ذلك شرع في تقديم مشاريع سينمائية خاصةٍ به وكون أيضاً فلسفته خاصة علي مستوي الحبكة والقصص التي تبلورت بوضوحٍ جلي في فيلمه “First Reformed” من إنتاج سنة 2018 ثم في موضوع المراجعة فيلم the card counter. Paul Schrader: Taylor Swift Is the 'Light That Gives Life Meaning' | IndieWire

                   عندما يستقل سكورسيزى التاكسى – مراجعة فيلم Taxi Driver

تعتمد أفكار “بول شريدر” في الأساس عن معاناة الإنسان في الحياة من حوله نتيجة ظروفٍ معينة افتعلها بذاته وأحس فيما بعد أنها ضده وليست في صالحه، أو نتيجة ملابساتٍ ما وجد نفسه محاصراً بسلبياتها التي تقتص منه شعور الرضا والقناعة بأن هناك أملاٍ ما في الإصلاح وعودة الأمور لطبيعتها، فيساهم ذلك في تكوين مصفوفةٍ نصية غرضها وضع أساساتٍ لرحلة التعافي التي ربما تحمل قراراتٍ عصيبة عنيفة بعض الشئ في سبيل تحقيق السلام النفسي والغاية التي تحل كافة أزمات هؤلاء المضطربين نفسياً وذهنياً ومعنوياً.فيلم the card counter

ما يثير الإهتمام بطبيعة الحال في هذا الأمر ليس فقط في آلية التنفيذ والكتابة فقط، بل في التأثير الاحق علي المشاهد الذي سرعان ما يصير عنده قناعةٍ تامة بواقعية المطروح، وعمق المواضيع المرثاة بصورةٍ سينمائية ليست مباشرة في أغلبها، والحس الدرامي الكبير الذي يشابه إعتقاداتنا جميعاً، كلُ ذلك ساهم في الأهمية الكبيرة التي تحظي بيها مدرسة “بول شريدر” السينمائية علي الرغم من إنحناء الأوسكار لها تقديراً بعد سنواتٍ كثيرة، الإ أنه يكفي “شريدر” تقدير الجمهور المحب لسينما الواقع والمتعلق خصيصاً بفيلم “Taxi Driver”- الشرارة الأولي لتلك اللغة السردية البديعة.فيلم the card counter

في فيلم the card counter، يقدم “بول شريدر” نظرةٍ مُقربة علي رحلة إنسانٍ ناحية تعديل سلوكه والإنخراط في الحياة بوسيلةٍ معينة بعدما كان عنواناً للشر والقسوة المفرطة يفعل أمورٍ بالغة السوء تغيب عنها الإنسانية والوعي الكبير بالصواب والخط، فهل سيحكم القدر بأحكام تعافيه التام أم للواقع بكل الشرور المتفشية به رأي آخر، هذا ما سنعرفه في حوالي ساعةٍ و50 دقيقة من أفضل ما قدم في عام 2021 السينمائي.فيلم the card counter

قصة فيلم the card counter

تدور أحداث فيلم the card counter عن الجندي السابق “وليام تيل” الذي بات خبيراً في لعب القمار بعدما قضي قرابة الثماني سنوات في أحد السجون العسكرية، ولكن سرعان ما يتبدل الأمر لديه حينما يقابل الشاب “كيرك” الذي يسعي للانتقام من أحد الأشخاص تبين أنه يربطه ماضي مع “تيل” أيضاً.فيلم the card counter

علي غرار “Taxi Driver” و”First Reformed”، يلجأ “بول شريدر” للتعليق الصوتي من أجل سرد ما يدور في عقل شخصية “تيل” ومنح المشاهد فكرةٍ عن عديد التفاصيل التي تخصها وتحكي نبذةٍ عن حياته، وذلك سهل بكل تأكيد فهم عديد المعطيات الموجودة بالنص علي مدار تسلسلات الحبكة المتتالية، خصوصاُ أن “بول شريدر” إختار لعبة القمار كخلفية رئيسية للأحداث لا يعرف البعض عنها الكثير، وتم التعبير عنها بأسلوبٍ منمق كعادة لغة “شريدر” الكتابية.The Card Counter' Review: A Gambler's Existential Solitaire - The New York Times

القصة ليست بغرض تقديم رحلة إنتقام وعليها يخصص السيناريو بأحداثه كاملة من أجل الوصول إلي تلك المرحلة الفيصلية، كل ما في الأمر هو توثيق مقاساة شخصٍ معين لبعض الظروف التي حولته إلي وحشٍ مفترسٍ وسادي لدرجةٍ لا توصف، وما يحاول فعله من أجل أن ينجو بنفسه من تبعيات الماضي فلا يتأثر غيره بعقلية رجعية تميل للعنف لغرضٍ ما وتسعي لمقابلة الأذي بمثله شكلاً ومضموناً، بالرغم من ذلك سيكون مفهوماً تماماً إن لم يحدث فيلم the card counter أثره علي البعض ممن يعضون أصابع الندم علي مشاهدة مثل هذا العمل المثير للملل من وجهة نظرهم.فيلم the card counter

لأنه ليس ذلك ما قد يكون نقطة سلبية في حق العمل، بل يمكن القول أنه قد يكون من الصعب علي البعض إرتباطهم بفيلم the card counter بالرغم من مجمل إيجابياته المتعددة علي عكس “First Reformed” علي وجه التحديد، وذلك لأن موضوع الأخير بمثابة المدلول الأمثل علي مساوئ الواقع وإنهيار جنباته نحو هاوية الضلال وغياب الصواب، بعكس ما جاء هنا من زاوية مصغرة قليلاً وبعيدةٍ تماماً عن شمولية “first reformed” وتناوله لمنظور واسع يمس عديد الأطراف.فيلم the card counter

بالعودة إلي الإيجابيات، فلم يعيب فيلم the card counter أي مشاكل علي مستوي الإيقاع العام للقصة، بل يحسب له قوة التعبيرات الحوارية وإحتواءه لعديد التفاصيل التي تملئ أية فجواتٍ أو ثغرات تنقص من إحتواء فيلم the card counter بكل الدقائق والعناصر التي من الممكن أن تفيد المشاهد في تشكيل رؤيته الإنطباعية عنه، يأتي ذلك إلي قوة المواجهت الثنائية بين أبطال العمل وإستغلالهم المثالي للوقت الكبير المتاح لهم كي يساهموا في إستحضار العمل للهوية الصحيحة التي تجعله في طليعة أفضل أفلام موسم 2021.hفيلم the card counter

وبما إنه أتي الحديث عن الأدائات التمثيلية، فالثنائي “تيفاني هاديش” و”تاي شيردان” أجادا في تقديم شخصياتهما بجدٍ وبتناولٍ ملائم لهما ولأبعادهم الفكرية والظاهرية، ولكن يبقي الحصان الأسود لفيلم the card counter والعنصر الأولي في نجاحه هو النجم البورتوريكي “أوسكار إيزك” الذي إستطاع عكس جوانب الشخصية بمساؤها وصرامتها وتحجر قلبها، إلي أن توالت مراحل التحولات التي تشهد كل مرةٍ ثبات “آيزك” علي أدائه إلي جانب بضعة تغيراتٍ إنفعالية وتعبيرية حسبما يتصور ذلك “بول شريدر”، بالطبع لا يزال موقفه من الترشح للأوسكار غير معلومٍ بالمرة، ولكنه علي الأقل يستحق التواجد ضمن الخمسة الكبار المنافسين علي الجائزة الأم في صناعة السينما.The Card Counter Review - Oscar Isaac Stars in Captivating Crime Drama

في الختام، ربما سيكون “بول شريدر” علي موعد مع ترشحيه الثاني لفئة السيناريو في موسم الجوائز هذا العام، فما قدمه في فيلم the card counter يعكس مقدرة كبري علي قولبة السينما بطريقةٍ جداً مناسبة تتحرك خيوط أفكارها مرتكزة علي عنصر الشخصية المتحكمة في زمام الامور و التي تعرف الطريق إلي خط النهاية والتترات الختامية بقيادة حكيمة لأبعاد القصة ومضمونها الفعلي.

Facebook Notice for EU! You need to login to view and post FB Comments!
Content Protection by DMCA.com

اسامة سعيد

كاتب وناقد سينمائى بموقع بيهايند وطبيب بشرى، محب للفن بشكل عام والسينما بشكل خاص.

ما رأيك في المقالة؟ اترك تعليقاً

ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
You cannot copy content of this page