مراجعات افلام

مراجعة فيلم Parasite – صراع الطبقات الإجتماعية علي طريقة بونج جون

في مسلسل La Casa De Papel سأل البروفيسور فريقه من سيفوز البرازيل أم الكاميرون؟ .. أجابوا بكل ثقة البرازيل .. فسألهم ولكن من تتمنون أن يفوز؟ .. أجابوا الكاميرون .. خمنوا لماذا؟ لأنهم الطرف الأضعف، الإنسان دائما يتعاطف مع الطرف الضعيف علي حساب الطرف القوي دون النظر إلي أي جوانب .. لماذا أقول هذا؟ وما علاقته بفيلم Parasite؟ .. لأن أي شيء آخر غير الذي فعله بونج جون كان سيسقط الفيلم في فخ الكليشيه والتعاطف ويقلل من قوة رسالته، إن الأمر شبيه بموسيقى مكتملة إحذف سطراً واحداً وتسقط المقطوعة كلها.

اعتمد بونج جون علي فلسفة ليس هناك خير مطلق أو شر مطلق في الإبتعاد عن الصورة النمطية للأغنياء والفقراء والصراع الطبقي بينهما، فالأغنياء هذه المرة ليسوا أشرار أو مرتشين أو أو أو بل هم عائلة لطيفة وساذجة ولديهم قليل من الإحتقار للطبقة الأدني، فهم ينظرون لهم علي أنهم آلات يجب أن يفعلوا ما يطلبوه منهم في أي وقت بما أنهم سيحصلون علي المال جزاء هذا، أما الفقراء فهم يكافحون من أجل البقاء بشتي الوسائل حتي لو اضطروا للخديعة والتذوير، وهو ما يجعل المشاهد متحير بشأن من يحبه ومن يكره .. من يتعاطف معه ومن ينبذه، فيبدأ في التركيز علي الصورة الكاملة للحدث بدلاً من النظر إليه من جانب واحد .. من جانب الطرف الذي تعاطف معه، وهذا كان سر نجاح تحفة بونج جون أن جعلنا نصطدم مع أنفسنا وثوابتنا بأن الأغنياء دائما أشرار والفقراء هم الجانب الضعيف الذي يجب أن نتعاطف معه قبل أن نصطدم مع النظام الطبقي.

يشمل النظام الطبقي للفيلم ثلاثة عائلات، في قمة الهرم عائلة السيد بارك الغنية التي تقع تحت سلطتها العائلتين الآخريتين، وهم عائلة لطيفة جدا ولكنهم سذج، لديهم ابن يحتاج إلي معاملة خاصة بسبب رؤيته لشبح في طفولته وابنة، وعلي خلاف أغلب آباء هذه الطبقة الذين يقضون وقت طويل في العمل علي حساب العائلة السيد بارك يوازن بين الحياتين ويهتم بعائلته كما يهتم بعمله، في قاع الهرم خادمة منزل السيد بارك مون جوانج وزوجها، مون تخدم هذا المنزل منذ وقت طويل حتي قبل مجيء السيد بارك، يتغير ملاك المنزل ولكن يبقي حالها علي ما هو عليه، أما زوجها فهو يعيش في قبو المنزل منذ سنوات هارب من الدائنون راضٍ تماماً بحياة الجحور هذه، في منتصف الهرم عائلة كيم لا تختلف عن زوج مون جوانج، فهم أيضاً فقراء يعيشون في قبو تحت الأرض ولكن ما يميزهم الثورة والتمرد بداخلهم علي الفقر.

كاميرا بونج جون كانت ملازمة لرحلة تمرد عائلة كيم علي الطبقية منذ البداية وأبدعت بشكل مأسوي في توضيح الفرق والفجوة الشاسعة بين الطبقتين، في المشهد الإفتتاحي تبقي الكاميرا ثابتة علي أحد طرق منطقة شعبية لفترة قصيرة ثم تهبط لأسفل ببطء لتكشف لنا عن عائلة فقيرة تعيش في قبو تحت الأرض، وعلي الرغم من أن هذه العائلة تمتلك إمكانيات رائعة تؤهلها لعيش حياة مستقرة ولكن البيئة غير مؤهلة للنجاح فيعملون في طي علب البيتزا من أجل بعض الملاليم حتي يستمروا يوماً آخر في هذه الحياة الكريهة، للوهلة الأولي تظن أنهم راضين بحياة الفقر هذه فلا يمانعون أن يجلسوا في الحمام من أجل التطفل علي شبكة وايفاي مجانية للتواصل مع العالم الخارجي ولكن عندما يزورهم صديق ابنه ويهديهم حجر يقال بأنه يجلب ثروة مادية للعائلات نظراتهم له تدل أننا أخطأنا في الحكم أنهم غير راضين تماماً عن هذه الحياة كل ما في الأمر أنهم تعودوا عليها، يعين الإبن كمدرس إنجليزي خصوصي لإبنة عائلة السيد بارك الغنية بتوصية من صديقه، وفي طريقه إلي منزل عائلة السيد بارك يبدأ في الصعود علي مهو أشبه بتل وتصعد معه الكاميرا وهنا كان أول تصوير مأسوي للفجوة بين الطبقتين وبداية رحلة التمرد الحقيقية، تبدأ العائلة الفقيرة في التطفل والإعتماد علي العائلة الغنية فتقوم بإستغلال سذاجتهم وطيبتهم من أجل نصب الكمائن للعاملين لديهم حتي يتم فصلهم ويحل محلهم بقية أفراد العائلة الفقيرة دون أن يراعوا إذا ما كان هذا العامل لديه أسرة يعيلهم وحاله من حالهم وهو ما حدث مع الخادمة مون جوانج لتشتعل أحداث الفصل الأخير العظيم في قالب عبثي عنيف يمتاز بالجرأة والدموية.

وهناك مشاهد أخري أبدعت فيها كاميرا بونج جون في توضيح الفرق بين الطبقتين مثل مشهد عندما كانت العائلة الفقرة تحت المنضدة والعائلة الغنية فوق الأريكة، ومشاهد السلالم فأنت تشعر بأن العائلة الفقيرة تصعد من الأرض إلي السماء عند ذهابهم للعمل ثم يهبطوا مرة ثانية إلي الأرض عند مغادرتهم، ولكن الأجمل كان توضيح التناقض والفروق المأساوية في أسلوب العيش بين الطبقتين فليلة ممطرة للعائلة الغنية تعني سماء زرقاء صافية في اليوم التالي وحفلة مفاجأة، أما للعائلة الفقيرة تعني تسرب مياه الصرف الصحي وامتلاء المنازل بالمياه فيقضون بقية الليلة في منطقة مخصصة لحالات الطواريء.

الصورة أبلغ من ألف كلمة وما فعله بونج جون استثنائي ولا نراه كل يوم، فنادراً ما يجعلك المخرج تتمعن في مكونات وتفاصيل الصورة وتفك رسائلها المشفرة بصرياً قبل أن يخبرك الحوار، كما أنه دمج وتنقل بكل إبداع بين جينرز مختلفة دون أن يخل بترابط العمل وكأن الدراما والكوميديا السوداء والعنف والدموية اجتمعوا معاً ليكونوا مقطوعة موسيقية غاية في الجمال والتكامل لينتج عنها فوز مستحق بجائزة السعفة الذهبية.

Arf Ofy

السينما هى كيفية أن تعيش أكثر من حياة .. حياة جديدة مع كل فيلم تشاهده .. وهدفي هو ترشيح أفلام جيدة ومختلفة تحترم عقليتك كمشاهد .. وتسحبك معها إلي عالمها المليء بالسحر والأفكار والمشاعر كي تعيش تجربة لا تُنسي تنغمس فيها بكل حواسك.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock