مراجعات

مراجعة فيلم drive my car – لمحات درامية عن معاني كثيرة بالحياة

فيلم drive my car

فيلم drive my car

بلمساتٍ درامية ثرية عابرة للقلوب وتناول بديع للمعني كثيرة تعطي للفن قيمةً كبيرة ، فيلم drive my car قصيدة عن الحب والشجن والحزن والمأساة، وصدمات تلو الأخري ستنفطر إليها أعتي القلوب وأكثرها رباطةً للجأش، عملٌ يتلون بالفنون المسرحية ويستأسر منها ما يمكنه أن يضيف ويوضح المعاني الحقيقية، وبه ما يحرك المشاعر ويدفعها للشكوي والكلام حتي وإن كان ذلك لا يحدث من البداية.

هو مليودراما طويلة ولكنها بالغة التأثير،و تضفي بمضمونها العمق الشاعري المطلوب فيصير هناك وعيٌ بأن الحياة ليست كلها مسرات وطموحات تتحول يومياً إلي إنجازٍ يجعل كل شئٍ علي مسارٍ صحيح، الخسارة حتماً ستأتي وسوف يحين وقت الإختبار الذي سيكشف ما إذا كنا نستطيع التعافي بمن حولنا أو بشغفنا أو بغيرها.

               مراجعة فيلم Rashomon .. سقوط بوابة راشمون وانهيار الحضارة اليابانية

مراحل عديدة مبنية علي كل هذه المردافات شكلت أساس فيلم drive my car مرشح اليابان في الأوسكار هذا العام والمعروض ضمن برنامج مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ، والذي بكل تأكيد أحسن تقديمها بأٍسلوبٍ رفيع المستوي يجمل من شكل الدراما المطروحة، ويضاعف من قوة التأثير الحسي علي المشاهد الذي سيتركه فور إنتهاءه.

فيلم drive my car

قصة فيلم drive my car

تدور أحداث فيلم drive my car عن الممثل “يوسوكو كافوكو” الذي يتعرض لصدمةٍ موجعة تجعله يتنقل إلي “هيروشيما” من أجل العمل علي إقتباس مسرحي من “العم فانيا” والمضي قدماً في حياته، وحينما يتم توكيل سائقة محترفة تدعي “ميساكي” لقيادة سيارته رغم إيرادته، تتحول علاقتهما الفاترة معاً إلي صداقة قويمة تنفتح من خلالها القلوب لبعضها البعض ويرثي كل واحدٍ للأخر عن مشاعره المحطمة بتداعيات الماضي الأليم.فيلم drive my car

مراجعة فيلم drive my car

ينقسم فيلم drive my car لعدة مراحل مختلفة جمعيها يحوي نفس القدر من الأهمية لسياق القصة ككل، البداية ربما تكون غير مريحة في أسلوب الطرح ولكنها محورية للغاية في فهم علاقة “يوسوكو” بزوجته وبداية إنهيار كيانه المحيط به بتوالي الصدمات في الإحاقة به، هنا كان الوقت طويلاً إلي حدٍ ما وكان يمكن إختزال التفاصيل في أقل من ذلك، ولكن “ريوسوكي هاماجوتشي” ربما أراد أن يطمئن علي فهم المتلقي تلك المعطيات التي ستتحول بعدها الأحداث إلي جوانب أخري.فيلم drive my car

أهمها بالطبع ملامح العلاقة بين “يوسوكو” والسائقة “ميساكي” التي تنشق هي الأخري لمراحل مصغرة تتخذ الطابع المسرحي بعض الشئ علي مستوي الحوار وينكشف من خلالها الكثير من النواحي العاطفية لدي الشخصيات المتضررة من كثرة الصعاب الموحشة الذان تعرضا لها، فيصير التحول الصائر في اللحظات الأخيرة منطقياً للغاية لا أن يحدث من أول مرةٍ فيفقد العمل قيمته في العمق الدرامي والإنساني المبنية عليه القصة.فيلم drive my car

سبق ذلك تفاصيل التحضير لمسرحية “العم فانيا” وتفاعل “يوسوكو” مع الممثلين، وهو الذي رفض المشاركة فيها من الأساس خوفاً من مساس ذكريات الماضي به أثناء التجسيد فيتحطم أكثر فأكثر، صورة أخري أعطاها “هاماجوتشي” أهمية أيضاً فيما يخص الأحداث والمدة الزمنية، وبان أثرها من خلال التعاملات بين الشخصيات التي أشارت في المنتصف لتفصيلةٍ معينة داخل مراحل تطور العلاقة بين “يوسوكو” و”ميساكي”.

خلاصة القول أن تقسيمة “هاماجوتشي” للأحداث بالرغم من طولها بعض الشئ هي طريقة فعالة لإيصال الرسالة الهامة للعمل المتعلقة بالتصالح مع النفس والمضي قدماً في الحياة والتقرب من الأخرين، وإن ننسي الماضي وإن لا نستمر في العيش علي إثره نتحاشي ما يمنحنا فرصةٍ للتغيير إلي الأفضل، فقد نكون فقدنا الفرصة للتعايش مع أحبائنا وفهمهم بتمعن وتدقيق حتي لا نخشي خسارتهم، ولكن إن حدث ذلك فهي ليست نهاية المطاف ، بل يمكن أن تكون طريقاً لحياةٍ أفضل شاء القدر أن نتحلي بها فيما هو قادم من وقت.فيلم drive my car إخراجياً، تتميز فلسفة “ريوسوكي هاماجوتشي” البصرية بإقترابها من الشخصيات بوفير من الصور الدقيقة التي تعكس كل تصرفاتهم وأفعالهم، وترثي أيضاً همومهم وأحزانهم، المحادثات الطويلة التي كانت تدور خصوصاً بداخل سيارة “يوسوكو” ضاعفت مجهودات المصور “هايدوتشي شينوميا” في تركيز الكاميرا أكتر علي الشخصيات ومراصدة ردود أفعالهم وتسجيل كل ما يقال من واحدٍ للأخر، وساعد ذلك كثيراً علي ترسيخ الجانب الدرامي أكثر فأكثر وإحداثه للتأثير المطلوب منه بفعاليةٍ تامة.مراجعة فيلم drive my car - لمحات درامية عن معاني كثيرة بالحياة 1

ولا يكن لذلك أن يدرك غايته دون أدائاتٍ تمثيلية رفيعة المستوي خصوصاً من الثنائي “هايدوتشي نيشيجيما” و”توكو ميورا”، “نيشيجيما” الذي إمتاز بالإرتجال العاطفي المتقن والإجادة الكبيرة للتعبيرات التي تعكس حالته النفسية المنفطرة وتألمه من المأساة التي تعرض لها، و”ميورا” التي ينقسم أدائها لشقين مختلفين، الأول من ناحية عدم المبالاة بهوية صاحب السيارة وتعاملها معه بطريقة رسمية، ومع تصاعد وتيرة الأحداث علي الرغم من الإيقاع الهادئ، تتمكن “ميورا” من إثبات تقرب “ميساكي” من “يوسوكو” أكثر بكثير مما سبق، وبات التعامل بينهم مختلف تماماً تتحلي بالثقة والرغبة في الكشف عن دواخلهم النفسية.فيلم drive my car

في الختام، يؤكد فيلم drive my car علي أن للأفلام الدرامية سحرٍ خاص ليس فقط في تفاصيلها فحسب، بل في قدرتها علي إخراج المشاعر الكامنة عند الكثيرين، فمن بداخله الحزن يكتوي به ومن يساوروه الأسي واليأس يسهل عليه عدم كتمان مشاعره والتفاعل مع ما يراه حتي ولو كان بالبكاء، وذلك إنجازٍ كبير يحسب لصناع الدراما في جميع أنحاء العالم يضاف عليهم ما قدم هنا في هذا العمل الشاعري الراقي.

اسامة سعيد
كاتب وناقد سينمائى بموقع بيهايند وطبيب بشرى، محب للفن بشكل عام والسينما بشكل خاص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.