مراجعات افلام

مراجعة فيلم 1917 – عندما يكون المشاهد جزءاً من الحدث

لطالما كانت الحرب مصدر الهام للمبدعين ، فمنهم من رسم لوحات ، و آخرون كتبوا كتباً و روايات ، و آخرون قدموا أفلاماً فى محاولة منهم لوصف هذا الحدث الملئ بالعبث و انعدام الآدمية ، و بالرغم من ذلك فلن يعرف شعور الحرب إلا من كان بها و كل ما نستطيع أن نراه هو جزء ضئيل من البشاعة التى كانت بتلك الحروب لتعطينا شعوراً مؤقتاً ينتهى مع انتهاء الفيلم أو قد يدوم عدة ساعات أخرى ثم ينسى .
فى محاولة أخرى لوصف هذا الحدث و هذه المرة بالحرب العالمية الأولى يقدم لنا الثنائى سام مينديز و روجر ديكنز تحفة فنية سيخلدها التاريخ كأحد أفضل أفلام الحرب على الإطلاق .
لابد أن أغلب المتابعين و محبى السينما يعلمون الآن أن الفيلم تم تصويره و تقديمه و كأنه لقطة واحدة طويلة أو لقطتين طويلتين لتحرى الدقة ؛ فهل استطاع النجاح فى هذا التحدى الصعب ؟ و هل خدمت طريقة التصوير الفيلم أم أنها مجرد استعراض و فرد عضلات من سام مينديز ؟

قصة الفيلم :
تدور أحداث الفيلم بالحرب العالمية الأولى حيث يقدم لنا رحلة الثنائى بليك و سكوفيلد و اللذان فى مهمة لإرسال رسالة الى فيلق آخر لمنعهم من شن الهجوم و الوقوع بفخ الألمان الذى سينتج عنه موت ١٦٠٠ جندى منهم الأخ الأكبر لبليك فهل سيستطيعون عبور الأراضى الألمانية للوصول ؟

السيناريو و فلسفة التصوير :
ليس من المعتاد أن أربط ما بين عنصرى السيناريو و التصوير و لكن أسلوب سرد فيلمنا تجعل من ذلك شيئاً ضرورياً لا يمكن تفاديه فدعونى أحدثكم ببعض من التفصيل .
مقدماً رتم أحداث الفيلم بطئ فى أغلب فتراته يتخللها بعض فصول الأكشن و الإثارة و التى كانت ناجحة بشكل كبير فى اثارة التوتر و هذا ينقلنا الى نقطة أخرى مثيرة للإهتمام .
هذه النقطة تتمحور حول سؤال واحد “ما هو هدف الفيلم ؟” ؛ يمكن الإجابة على هذا السؤال بأنه يريد أن يغير وظيفتك التى ذكرتها فى المقدمة كمجرد مشاهد و تحويلك الى فرد ثالث فى تلك المهمة لتدخل ذلك العالم و كأنك أحد الجنود لتراه بكل تفاصيله .
عزيزى المشاهد سترى تفاصيل أشكك فى أنك قد لاحظتها فى أفلام حربية أخرى أبرزها صعوبة المشى و عمليات اختراق الأسلاك الشائكة على سبيل المثال لا الحصر ؛ ببساطة شديدة كل ما يقومون به ستقوم انت به أيضاً معهم مما يأخذنا إلى أسلوب السرد .

أسلوب السرد اعتمد بشكل كامل على نظرة الشخصيات بمعنى أن ما تراه شخصياتنا نحن نراه و ما يعرفونه نحن نعرفه ، و أى شئ هم ليسوا على دراية به فنحن لا نعرفه ؛ أسلوب صعب و لكنه مميز و مفيد بشكل كبير سواء من أجل ايصال الإحساس للمشاهد بكونه مشارك بتلك المهمة أو على مستوى لحظات الإثارة و الصدمة و كذلك خدمة رسالة الفيلم العامة فى النهاية .
يبقى أحد الأسئلة المهمة بدون إجابة ” هل طغت التجربة البصرية على الجانب الإنسانى من الفيلم ؟”
سؤال يصعب الإجابة عليه بشكل قاطع فمن ناحية نحن لم نعرف الكثير عن شخصيات بطلى الفيلم مما قلل من التعاطف أو بالأحرى تسبب فى تأخيره و لكن من ناحية أخرى و عند النظر إلى هدف الفيلم الرئيسى و الذى نجح به بشدة و كذلك الرسالة الرائعة فى الخاتمة أن هدف الفيلم الأساسى أن يكون فيلم إنسانى فى المقام الأول لا حربى مما يجعلنى أميل أن أجيب على هذا السؤال ب “لا” .
سيناريو الفيلم مجملاً يمكن وصفه بالعادى ليس بالمميز و لكنه استطاع التملص من الكثير من العيوب الممكنة و على رأسها الملل نظراً لرتمه البطئ .
يعاب على السيناريو فقط عدد الصدف الكبير نسبياً بالإضافة لقدرة البطل على الهروب من بعض المواقف الحرجة بطرق يصعب تقبلها بالرغم من تقديمها إخراجياً بشكل ساحر .

الحوار :
كما هو واضح فالفيلم ليس حوارى على الإطلاق و لكن بالرغم من ذلك تميزت حواراته بالواقعية الشديدة و التلقائية المبهرة خاصة بتقديمها فى لقطات طويلة للغاية .

الأداء التمثيلى و الشخصيات :
قدم ثنائى البطولة جورج مكاى و دين تشارلز تشابمان أداءاً ممتازاً بالرغم من التحديات التى واجهتهما تحديداً تقديم مشاهد حوارية طويلة جداً و بالغة التعقيد مع تقديم التوازن الصعب ما بين الحركة و التمثيل و حفظ حوارات طويلة لفترات زمنية طويلة تتطلب الكثير من التدريب و المحاولات .

اشادة واجبة لجورج مكاى تحديداً و الذى استطاع بجانب كل ذلك تقديم تغير فى العقيدة الداخلية له بشكل تدريجى مع تقدمه فى الرحلة .
لابد من الإشادة أيضاً بالأدوار الشرفية العديدة فى الفيلم فقد قدم جميعهم مشاهد رائعة خاصة ريتشارد مادين الذى قدم مشهد درامى رائع أو بندكت كامبرباتش الذى قدم أحد أهم و أقوى مشاهد الفيلم فى ظهور خطف به الأضواء من الجميع .

الموسيقى التصويرية :
قدم توماس نيومان موسيقى رائعة و التى بالرغم من افتقادها للشخصية الموحدة و لكنها استطاعت خدمة كل الأغراض الممكنة من لحظات انسانية رائعة إلى لحظات التوتر وصولاً إلى لحظات المواجهة و الأكشن و تحديداً مشهد الجرى الشهير بتسلسل النهاية الذى لن يُنسى الشعور المصاحب له من الذاكرة و أكاد أجزم أنه من المستحيل الوصول الى هذه المرحلة الشعورية بدون موسيقى توماس نيومان .

الإخراج :
لطالما عرفنا سام مينديز كأحد أكثر المخرجين إجتهاداً و تفرداً و قد قدم لنا أعمال رائعة ك American Beuty و Road to Perdition فعندما قرر التعاون للمرة الثانية مع روجر ديكنز الذى قدم لنا الكثير من الروائع ك The Shawshank Redemption ، Blade Runner 2049 و فيلمى المفضل A Beautiful Mind
علماً بأن تعاونهما الأول أخرج لنا التحفة الفنية Skyfall ؛ جعل ذلك من فيلم 1917 الفيلم الحربى الأكثر ترقباً منذ سنين طويلة و الحقيقة أن التعاون الثانى لم يكن مخيباً على الإطلاق .


اعتمد الفيلم فى المقام الأول على السينماتوجرافى و التى أقل ما يمكن وصفها به أنها الأفضل هذا العام بدون وجود منافسة تذكر بالرغم من جودة الأعمال الأخرى و لكن ما قدمه روجر ديكنز كان شئ استثنائى .
لا أعلم من أين أبدأ الحديث ؛ فلدينا الحركة الرائعة للكاميرا و التنقل الرائع بين الكاميرا المحمولة على اليد الى الكاميرا المتحرك الكترونياً و بالطبع ذلك لم يكن ليتم بدون مونتاج رائع استطاع أن يجعل هذه المشاهد تظهر كلقطة واحدة .
لدينا أيضاً استخدام رائع لل “Focus” ليجعل المشاهد يرى ما يريده أن يراه و التنقل ما بين جزء من الشاشة الى جزء آخر بحرفية شديدة .
لدينا قدرة إنتاجية كبيرة أخرجت لنا Production Design على أعلى مستوى لمساحات طويلة نسبياً مما ساعد المشاهد على تخيل الشكل الجغرافى لمكان وقوع الأحداث و أعطى الضوء الأخضر لتصوير مساحات واسعة بشكل مريح .


الحقيقة أنه يصعب سرد كل المميزات الإخراجية بالتفصيل لأنه بكل تأكيد سأغفل شيئاً و لكن الخلاصة أن ما قدمه سوم مينديز كان شئ مذهل غير مسبوق و أعتقد شخصياً أنه سيتسبب بطفرة مستقبلاً فى أساليب تصوير المشاهد الحربية .

الخلاصة :
الفيلم رائع و يستحق المشاهدة فى السينما أو على الأقل انتظار صدور أعلى جودة ممكنة له للحصول على أكبر قدر من المتعة الممكنة .
تقييم الفيلم هو 8.5/10

محمد هشام

كاتب بموقع بيهايند و طالب بكلية الطب جامعة عين شمس من مواليد المنصورة، محب للسينما وكرة القدم.

ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock