مراجعات افلام

مراجعة فيلم الطوق والإسورة 1986 – عن عقم البشر الذي يعتريهم.

 – اتخذ خيري بشارة أحد مخرجي الموجة الواقعية الحديثة من رواية يحيي الطاهر عبداللة والتي تحمل نفس إسم الفيلم موضوع لفيلمه الأفضل والبارز لإمكانياته المهولة التي برهن عليها بفيلم قرر أن يعيش روايته ولا أن يحاكيها فقط ، فقد ذهب لمسقط الكاتب وأماكنه لخلق حالة تكاد تكون من الواقعية أبعد من الأفلام وما ضاف للجمال رونق أنه لم يعتمد علي الحكاية والحبكة التقليدية بل اتخذ الحياة مرجع لما ستؤول إليه الأحوال وكما الظروف تسير كان يسير.

– وبالتمعن في بداية الفيلم سنجد رب أسرة عاجز لأسرة بها شاب قد هج وترك البلاد ليعمل بالسودان بأعمال شاقة وبينهم أم يعتريها الحزن منذ المولد حتي قد سميت به وبنت لها تأمل في الحياة بتلك الإبتسامة التي لو ضاق وحدثت الحال سنعشق الضيق لرؤيتها، ومن هنا ومع سير الأحداث وبنظرة أكثر بعدا سنجد أننا في قرية الكرنك بالأقصر حيث الأراضي الزراعية والمياة وما حولهم من عقول قد حاف عليها الزمان من الجهل والتخاريف التي تسكنها ، سنري ذلك في كل ضيق يتعرض له أحدهم… سيذهب جاهدا لشيخ علي أمل أن يتوسط له رب العباد لكي تحل أزمته وما هذا إلا جهل منقطع.

– وبنظرة أخري بعيدة المدي سنجد شخص حداد يأمل أن يتزوج تلك الفتاة الآملة ولكن اخته لا تأملها طمعا في مال أخيها خوفا من أن ينجب، ومن هنا يمتزج العنصر الثاني الذي يبرزه خيري بشارة والذي يتمثل بالخوف ، نحن الأن أمام جهل يجتاحة خوف وعجز، وبعيدا عن ذاك الظلام سنجد شخص يجد أخر منفتح مثله ولو قليلا ويبدأ في خطة التنوير والتي تمثلت في حكايتنا بالعمل علي إنشاء طاحونة للخبز كي لا يذهب أهل القرية للبر الأخر ويقطعون المسافات يوميا للخبز… ولكن الظلام ابتلع بؤرة الضوء هذه بتلك الخرافات المسيطرة عليهم، يعتقدوا أن الطاحونة تدار بدماء الأطفال، معتقد ساذج لعقول غير صالحة للتفكير، وها هو الخوف مجددا يمتزج بالعجز والعقم ليقفا أمام الخروج ولو قليلا من الظلام بتعميمه بدلا من الفرار منه.

– ما سبق ذكره كانت مشكلات بشر يعتريهم العجز والخوف من القادم غير قادرين علي الحياة فهم ليسوا لها ولم يقول خيري بشارة هذا مباشرة حيث التجريح يكون أقل فقد برهن ذلك من خلاص العلاقات الإجتماعية وبما بها من أسرار وماهية العقم الجنسي الذي يعيق العلاقات ويسبب مشكلات جمة تضع أطرافها في مواقف لا يحسدوا عليها ليصل كلا منهم لقمة غضبه وليبرز الأشخاص ما بجعبتهم من ثقافة قد رسختها البيئة فيهم، أما عن فضايا خيري فكانت أكثر حدة عن البشر الهائمون في الحياة بحثا عن أمل زائف يختبئ تحت مسميات الأمان ، وما الأمان عندهم إلي خوف منقطع النظير ، بشر يختبئون من الظروف كي لا تطيح بهم ، لم يواجهوا المطر خوفا من البلل، يزيحون النعمة كي لا تزول ، وكيف الحياة وانت ترفض العيش فيها!.

– قرية الكرنك بالأقصر ما هي إلي كناية عن وطن عاجز ، يخاف من الفشل فيمكث فيه، عن شباب لم يستطع أن يواجه فتغرب وعاد دون أن يغير شئ فهو عاجز ، عن أباء لم ينجزوا شئ في شبابهم غير الجهل والفشل فسيطر عليهم عقمهم وها هو ينتظر الموت خجلا من عجزه ، عن عامل اهدي عمره للعمل ولم يشعر أنه يختفي من الحياة فنالت منه الظروف واصبح غير الذي كان ومات عاجز، عن شاب لم يستطع الحصول علي فتاة يرغب فيها فقتلها خوفا من مواجهة عجزه فأصبح عاجز في الحياة، عن ام توفت علي حجر أمها العاجزتان بالمجتمع بدورهما لتترك الأولي طفلتها للثانية لتكرار تجاربهما معا واستمرار حالات العجز والخوف التي أطاحت بالنجاة حين اقتربت… ومن هنا لم يكن خيري بشارة يستهدف ضعف وعجز وعقم وخوف من قضايا الجنس بل كان يحارب الأفكار التي اطاحت بعقول أناس لم يعد بإمكانهم العيش .

 

 

 

– وسنجد أيضا توظيف عزت العلايلي لشخصية الأب والابن و شريهان لشخصية الأم والبنت ماهو إلا إثبات للإستمرار بل والتوغل في ظلام الجهل والعجز أي أن الأحداث تتكرر مادام الجهل راسخ في العقول… وبشكل كلي يعد الفيلم واحد من أفضل التجارب في تاريخ السينما المصرية وعلامة فارقة فيها نظرا لجودة السيناريو والحوار والحبكة المختلفة التي اتبعها خيري بشارة علاوة علي جودة العمل إخراجيا وتفجير طاقات طاقم التمثيل أجمع ولا نتناسي العنصر السمعي والذي دعمه بوجود محمد منير والفلكلور الشعبي حيث اضافوا للفيلم واقعية ومصداقية أكثر.

Bata Louny (احمد علي)

كاتب في موقع بيهايند وواحد من ادمنز جروب بيهايند علي الفيس بوك عاشق للسينما الواقعيه وعاشق لكرة القدم.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock