مراجعات افلام

مراجعة فيلم السقا مات – عن الهوة التي ستتسع للأبد بيننا وبين الموت

قدم لنا صلاح أبو سيف أيقونة سينمائية خالدة اتسمت بالفسلفة عن الحياة والموت وما بينهم وماهية الإنسان الذي تشغله الحياة وغيره والذي الموت ينال من أفكاره ، ومن الوهلة الأولي ومن النظر لأسماء القائمون علي العمل ستدرك أنك علي موعد مع تحفة طالما العمل عن رواية بثقل رواية السقا مات للكاتب العظيم يوسف السباعي والتي سلمها لمخرج بقدرة صلاح أبو سيف والإنتاج للمخرج الأيقوني الأخر يوسف شاهين الذي اخذ بإنتاج الفيلم علي الفور بعدما تأخر أكثر من جهة إنتاجية في إنتاجه وذلك بالإضافة للكاست الممتاز والذي وصل فيه عزت العلايلي وفريد شوقي لقمة عطائهم. 

يتخذ الفيلم قالب فلسفي لعرض الأفكار التي تسيطر علي عقولنا حول الموت من عدمة والحياة وما تصل إليه الأحوال حينما نتدارك الموت ولا ننتظره والعكس حين نمكث يوميا نتجاهله خوفا من لقائه حتي تضيع الحياة في التفكير فيه… يحكي الفيلم قصة بسيطة ولكنها تحوي الكثير والكثير من الرمزية والأفكار، بمدينة القاهرة وبالعقد الثالث من القرن العشرين يعمل المعلم شوشة كسقا بحمل الإرب علي ضهره وري الزرع وملئ الأباريق بالمرور علي المنازل وإلي أخره وهو شخص معتدل تكاد بشرته تسقط من السكون حزنا علي زوجته التي توفت حين ولادة ابنهم الوحيد وهي الوحيدة التي احسنت إليها في الحياة حتي احبها حب خالص، وبالمقابل يقتحم حياته شخص يعمل مطيباتي جنازات وبالرغم من ذلك لا يفكر في أي شئ سوي للإستمتاع بالحياة حيث أنها فترة للإستمتاع وأي لحظة فيها لغير الملذات فهي ضائعة ولا داعي لذلك، ومن هذا التضاد يشن أبو سيف أفكاره بسلاسة ليقدم لنا عمل للذكري.

وبالتوغل في حياة شخص يكرس عمره لنشر سر الحياة “المياة” للمنازل وهو العمل الذي يرهق جسده كثيرا ولكن رغم ذلك فهو شخص غير متفائل أبدا بالغد وما يحمله بل يخافه أشد الخوف حيث ربما يحمل معه الموت الذي فرقه عن زوجته حيث سلبت روحه يوم أن ذهبت روحها ومن هنا يتم عرض الشخص الذي تضيع حياته في انتظار الموت حتي وإن بدت حياته جيدة لعمله المبهج عواقبة، متناسي بذلك أنها حياته الوحيدة التي لا يملك غيرها فلماذا تتوقف حياته علي موت زوجته. يظل عالق في تلك الفجوة طالما أنه لو ترك ذلك سينعكس بحياة أفضل حين يتزوج ويصبح هنالك أحد يرعاه ويرعي والدة زوجته التي لا تري وولده الوحيد ، وهذا بعيدا كل البعد عن نكران جميل زوجته التي مازالت تحيا بجوارحه ولا متغاضيا عن فضائلها التي لا تحصي أبد الدهر، كما أنه نظريا يحيط غرفته بعبر وأيات من كتاب الله عن الصبر وما كان صبور يوما!… أما الوجه الأخر في الحياة فكان شحاته المطيباتي الذي لا كل ولا مل من المرح والشهوة التي تكاد من الإنفتاح أن تنفجر بدون اي حساب يذكر للغد الذي ربما يحمل خير أو شر فالقلق لن يوقفه أبدا فلماذا تضيع الحاضر في القلق من المستقبل والموت القادم لا محالة، ونظرا لعمل المطيباتي الذي يبدو عمل متشائم سنجده عكس ذلك كما ذكرت سابقا ربما لأنه متيقن أن الموت يأتي من أضيق الزوايا ولا محالة من التفكير والهروب منه… وها هي الحياة تسير كما تسير ولا تأبه بك أن مكثت تكترث للموت وما يحمله أو تتجاهله عن بكرة أبيه.

ومن التفصيل السابق والذي قد تم ذكره بالفيلم بشكل بسيط أو بأخر فنحن أمام معضلة لا نستطيع تجاهلها ولا نستطيع صب كامل تركيزنا فيها وها هي الدنيا تمر بما تحمل من حلو أو مر ستمر بك وبدونك وبإحبابك وأعداءك فلا صديق يشفع لك فيها بالخلود ولا غيره سبق وأن توسط لك بالذهاب… ليتركنا أبو سيف في معضلة تفكيرية حقيققية بعد موت المطيباتي شحاته في ليلة مرح فيه حد الجنون ليبرهن ذلك علي وجهة نظره التي يؤمن بها وقد جاءه الموت فعليا في وقت لا أحد ينتظره فيه حي نشوته القصوي التي قد وصل إليها واضعا الشك بذلك في صديقنا الذي قد حاول أن يحيا ولكن صدم بموت صديقه الوحيد وغلق باب من الدنيا في وجهه ليصبح إيمانه علي المحك بعدما فقد الأمل في الحب… ومن هنا يبرهن أن المطيباتي وبعملها المتشائم قد عمل عمل خير ببث الحياة في حياة السقا وكأنه وجه أخر للسقا وأعماله، ليصبح السقا فيحالة يرثي لها متخبطا بعدما توفي صديقه وتبدأ أفكاره بالتوغل في رأس السقا وتبدأ حياته في المضي أخيرا وليس القبر الذي كان يتنفس فيه!.

وسيظل الفيلم واحد من أفضل الأفلام التي ناقشت الموت وتقبله والمضي قدما في الحياة وماهيتها وتأثير تلك الفكرة علينا نحن كأحياء ومقدما بذلك محتوي فلسفي دسم لا تخرج منه بإجابات محددة كما تصير الأحوال فهي يعتريها العبث لا مدركين ما سيحدث يوما ولا سندرك فلعلنا نحيا في وقتنا الوجيز من الحياة. 

Bata Louny (احمد علي)

كاتب في موقع بيهايند وواحد من ادمنز جروب بيهايند علي الفيس بوك عاشق للسينما الواقعيه وعاشق لكرة القدم.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock