مقالاتمميز
TRENDING

في الذكري الثانية والأربعين لوفاته : حليم … الأسطورة التي لن تموت

عاشق ليالي الصبر مداح القمر

الذي غني وأطرب الملايين حتي يومنا هذا، العندليب الأسمر، صاحب الصوت الأعذب الذي نقل الغناء من مرحلة الطرب فقط إلي  مرحلة الإحساس والصوت الرقيق ، لينتقل الغناء من مرحلة استخدام  حاسة السمع  فقط إلي الاستماع بالروح والقلب والشعور.

عبد الحليم حافظ ، المطرب الأشهر علي مر التاريخ الذي صنع أسطورته الخاصة وأصبح أسطورة تغنت بها  أجيال وسوف تتغني بها أجيال أخري قادمة، فبعد مرور 42 عاماً علي وفاته مازلنا نحيي ذكراه ليس في مصر وحدها بل في العالم العربي كله.

حليم ، ذلك الفتي النحيل الأسمر الذي تحول بفنه واجتهاده إلي أيقونة الغناء وفتي أحلام  فتيات جيل كامل لم تتحمل أغلبهم وفاته التي أفجعت الجميع ، فلم يمهله القدر ليعطي كل ما أراد أن يعطيه.

ربما هو المطرب الوحيد الذي تجده إلي جانبك مهما كانت حالتك أو الموقف المحيط بك : فإن كنت تحب تجده حاضراً بقوة بأحبك،بتلوموني ليه، حبك نار وبأمر الحب ،وإذا خانك من تحب تستمع إلي تخونوه وعمره ما خانكم، وإذا تركك ورحل تجد نفسك في خسارة خسارة ..فراقك يا جارة أو جبار .. في قسوته جبار، وإذا كنت تحتفل بعيد ميلادك فتغني عقبالك يوم ميلادك، وإذا نجحت وتفوقت فبالطبع تغني: الناجح يرفع إيده، وحتي إذا ذهبت إلي المصيف فلن تجد أنسب من دقوا الشماسي،وإذا أردت أن تستمع إلي دعاءً دينياً بصوت شجي فلدينا أنا من تراب و خليني كلمة، وإذا أردت التعرف إلي الأغنية الوطنية فلن تجد أجمل من صورة وحكاية شعب ، حتي النكسة يشار إليها بأغنية عبد الحليم حافظ : عدي النهار.

تأسرك ابتسامته الرقيقة والحزن الكامن في عينيه السمراوين ، شخصية فاتنة بحق، اجتمع فيها الطيبة وحسن الخلق بالذكاء الاجتماعي ، رسم بصوته العذب صوراً بالغة في الجمال والتأثير ، لم يطأها مطرب قبله ، ولن يصلها أي مطرب بعده.

عاني الكثير والكثير في حياته منذ ولادته وحتي مماته ، لكن مأساته لم تمنعه من الحياة ومن العطاء ، بل علي العكس تماماً، فقد قام بتوجيه كل قدراته وأحاسيسه لفنه ، فصنع معجزة فنية بليغة ، ورغم عمره الفني القصير مقارنة بالكثيرين من أبناء جيله إلا أنه صنع رصيداً فنياً غير مسبوق ، وكأنه كان يسابق الزمن ويصارعه، وكأنه كان يعلم أن النهاية ليست ببعيدة، وأنه ليس أمامه متسع من الوقت ليعطي كل ما أراد أن يعطيه.

وفي هذا المقال نقترب أكثر من حليم وشخصيته ، وكيف أثر في الآخرين وكيف تأثروا به.

مولد نجم:

ولد عبد الحليم علي شبانة في قرية الحلوات مركز الإبراهيمية محافظة الشرقية في يونيو عام 1929، وتوحد صراخ الفتي الصغير القادم إلي العالم مع صراخ السيدات حزناً علي والدته التي توفيت أثناء ولادته ، أما والده فتوفي بعدها بأشهر قليلة، تاركاً الفتي صغير يتيم الأب والأم ، وكان لمشاعر اليتم القاسية تأثيراً بليغاً في شخصية حليم ، فعاش طوال حياته لا يشعر بالأمان التام، رغم كل ما حققه من شهرة وصيت، وكان رقيق القلب والمشاعر ، فلم يكن يدعي تلك المشاعر كما قال عنه البعض، بل كانت مشاعره صادقة وحقيقية نتاج ما عاناه من الأسي منذ صغره.

حليم والثورة:

كانت ثورة 1952 هي بوابة النجاح للعندليب الأسمر،حيث ساعدت الثورة علي بزوغ نجمه بإحداثها طفرة في الثقافة والفنون والاتجاه للتجديد في كل شيء، عصر جديد بدأه الشباب المتحمس ، وكان علي الغناء أن يتطور ويتغير ليواكب العصر الجديد ، فبزغ نجم المطرب الشاب الذي سبق ورفضه الجمهور عندما غني (صافيني مرة) لأول مرة علي مسرح في الإسكندرية ، فقذفوه بالطماطم والبيض وطلبوا منه أن يغني أغنية طربية لموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب وهو نوع الغناء الذي كان سائداً وقتها ، وعلي الرغم من حب عبد الحليم الشديد لمحمد عبد الوهاب حيث كان يعتبره قدوته وأبوه الروحي إلا أنه أبي الغناء له في هذه الحالة ، فكان فكر عبد الحليم هو التجديد في الأغنية وليس السير علي خطي السابقين ، واتفق معه وقتها صديق عمره كمال الطويل، ومجموعة الشباب التي أرادت غزو الفن بروح جديدة ,وأذيعت الأغنية مرة أخري عند إعلان الجمهورية عام 1953 ولاقت نجاحاً كبيراً.

لم يكن عبد الحليم ناصرياً كاتجاه سياسي ، ولم يكن يهتم بالسياسة ككل ، فكان اهتمامه الأول والأخير هو فنه ، لكنه كان يحب جمال عبد الناصر كشخص وزعيم ، رأي فيه الأمل ككل شباب جيله ، فغني للثورة وتغني بها ، ولم تكن الأشعار العظيمة لصلاح جاهين ستجد صوتاً يترجمها ويقربها للجمهور أقدر وأجمل من صوت حليم ، إحنا الشعب ، صورة وغيرها من الأغاني التي استطاعت أن تقترب من الجمهور ، فلم تعد الأغنية الوطنية مجرد نشيد ،بل اصبحت حلماً قريب من الجماهير التي كانت ما إن ينتهي الحفل حتي تجدها تحفظ تلك الأغنيات عن ظهر قلب بل وتعيش بها أيضاً .

كان حليم هو بلبل الثورة وصوتها ،وكانت المحبة متبادلة بينه وبين الرئيس الراحل جمال عبد الناصر،وفي الخلاف الشهير الذي حدث بين كوكب الشرق وحليم اتخذ ناصر صف حليم بينما اتخذ المشير عامر صف أم كلثوم بل و أمر حليم بالإعتذار منها وهو ما رفضه حليم، وحل ناصر القضية بأن جعل حليم يغني منفرداً في ذكري إعلان الجمهورية، كان حليم يري أنه الأحق بالغناء في عيد الثورة، فهو الشاب الذي انطلق وكبر معها وقرب مبادئها للناس، وكان عبد الناصر يري ذلك أيضاً، فقد كان يحب حليم وبرغم مسئولياته الكثيرة كان حريصاً علي الإطمئنان علي صحته ، و كان يحب الاستماع إلي كل أغنياته الوطنية ويأمر الإذاعة ببثها، وحتي بعد النكسة عندما غني حليم (عدي النهار) كان ناصر يأمر بإذاعتها وكانت من الأغنيات المحببة لقلبه.

كمال الطويل وحليم:

الصديق الأقرب ورفيق الكفاح، التقيا عندما كانا يدرسان معاً في معهد الموسيقي العربية ، حيث كان عبد الحليم يدرس في قسم التلحين بينما كان كمال يدرس في قسم الغناء والأصوات ، ولفت عبد الحليم نظر كمال من اليوم الأول ، وأعجب بصوته ، ونشأت بينهما صداقة قوية لم تنتهي إلا بوفاة عبد الحليم ، وعمل كل منهما علي إدراك المواهب المدفونة بداخل الآخر ، فكان حليم يري أن كمال تتفوق لديه ملكة التلحين علي الغناء ، فاقترح عليه أن يقوم بالتلحين، وبالفعل بحث في أشعار والده عن قصيدة يبدأ بها مشوار التلحين واختار قصيدة تقول: “إلهي ليس لي إلاك عونا .. فكن عوني على هذا الزمان وكان لا يزال طالباً في المعهد الذي تخرجا منه معاً عام 1948 ، التحق بعدها كمال بأوركسترا الإذاعة واعتمد كملحن ، بينما عمل حليم في تدريس الموسيقي بطنطا ثم الزقازيق ثم القاهرة إلي أن قدم استقالته حيث أنه لم يكن يري نفسه أبداً كمدرس ، ولم يكن هذا هو طموحه ولا ما كان يسعي إليه ، وبمساعدة صديقه كمال الطويل التحق بفرقة الإذاعة الموسيقية عازفاً علي آلة الأوبوا عام 1950 .

سعي كمال الطويل بعد ذلك لاعتماد حليم في الإذاعة كمطرب حيث لحن له الأغنية التي أجازته في الإذاعة كمطرب وهي قصيدة لقاء لصلاح عبد الصبور ثم كونا بعد ذلك معاً ثنائياً فنياً فريداً ، حيث قدم الطويل للعندليب 56 لحناً تنوعت بين الأغنيات العاطفية مثل : الحلو حياتي،بتلوموني ليه ، صدفة، جواب ،علي قد الشوق، قولوله الحقيقة التي تميزت بلحن فريد جداً وكأنها لحنت بروح العصر الحديث الذي نعيشه الآن ، بلاش العتاب وهي آخر أغنية عاطفية غناها العندليب من ألحان الطويل .

كذلك لحن الطويل للعندليب أجمل أغنياته الوطنية نذكر منها : حكاية شعب ومطالب شعب للشاعر أحمد شفيق كامل ،إحنا الشعب – بالأحضان- المسئولية – يا أهلا بالمعارك – صورة وناصر يا حرية وجميعها من تأليف صلاح جاهين .

عبد الحليم والموجي :

كانت العلاقة بين حليم والموجي علاقة شخصية وفنية من نوع خاص ، حيث بدأ نجاحهما معاً ، ففي عام 1951 تقدم الموجي لاختبارات الإذاعة كمطرب لكن اللجنة رفضته كمطرب واعتمدته كملحن ، والتقي بالعندليب في نفس العام لتنشأ بينهما علاقة ود ومحبة بل وأخوة أيضاً ، ويكونا ثنائياُ استثنائياً في عالم الطرب حيث جمعتهما وحدة الهدف، فكليهما كان شاباً يحلم بتغيير شكل الأغنية وجعلها معاصرة مواكبة لروح الشباب وتغيرات الزمن ، و كان الموجي ملحناً عظيماً ومتميزاً ، وحليم صوت وشخصية نادراً ما تجد مثلها، لحن الموجي لحليم أغنية يا حلو يا أسمر وكانت أولي الأغاني لهذا الثنائي العظيم ، لكنها مع الأسف لم تقبل من لجنة الاستماع بالإذاعة، وبعد تغيير اللجنة تم اعتماد الأغنية ، كذلك لحن له (صافيني مرة) التي تعتبر انطلاقة كلاً من حليم والموجي الفنية ، وهي الأخري لم يتقبلها الجمهور عند غنائها أول مرة ، ولكن عند غنائها مرة أخري في يونيو 1953 يوم إعلان الجمهورية لاقت نجاحاً ساحقاً وبدأ معها عصر جديد في الأغنية بصوت حليم وألحان الموجي .

Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2016-03-30 14:52:17Z | |

غني العندليب من ألحان الموجي 54 أغنية تنوعت بين العاطفية والوطنية والدينية ، وكانت تلك الأغنيات العاطفية تحديداً من أجمل ما غني العندليب ونذكر منها : الليالي ، حبك نار، مغرور، جبار ، حبيبها، كامل الأوصاف و أحضان الحبايب، كما لحن الموجي لحليم القصيدتين اللتان غناهما من كلمات الشاعر الكبير نزار قباني وهما رسالة من تحت الماء و قارئة الفنجان وهي ختام أعمال العندليب وآخر ما غني، وقد بذل الموجي في لحنها مجهوداً كبيراً وتعثر غناؤها بسبب احتباس صوته في البروفات مما أدي إلي ضغط العمل عليها في 12 يوم فقط مع الفرقة الماسية لتقديمها في الحفل الذي كان آخر حفلاته.

وعلي المستوي الشخصي جمعت بين الموجي وحليم علاقة صداقة حميمة ، وكان بينهما ود ومحبة واحترام متبادل، وكان حليم علي علاقة طيبة جداً بزوجة الموجي وأبنائه، ويذكر انه في إحدي الحفلات التي أحياها حليم في جامعة القاهرة وكان قد عاد للتو من رحلة علاج ، وقفت الفتيات من الجمهور حاملات للزهور في صف طويل لتحيته وتمني الشفاء له ، وكان حليم يقابلهن بابتسامة ومصافحة ، فيما عدا ثلاث فتيات قام بتقبيلهن ، فقام الجمهور بالتصفيق والتصفير ، فأجاب حليم بابتسامة مشيراً إليهن : دول بنات الموجي ، في إشارة أنه يعتبرهن كبناته .

وعلي الرغم من قوة العلاقة بينهما إلا أن الخلاف وجد طريقه اليهما وأثمر عن قطيعة طويلة بين العندليب والموجي وقام بحله عازف الكمان الأول في مصر أحمد الحفناوي مع مجدي العمروسي حيث أخبرا حليم أن الموجي مريض فذهب له حليم علي الفور ، وقام الموجي بإسماعه مقطع من (رسالة من تحت الماء) فبكي حليم واحتضن الموجي وقبل رأسه وعوده وقال (شيء جميل يا موجي) ، وقال له الموجي : كانت مستنياك يا حليم ، الغنوة كانت مستنياك .

بليغ والعندليب :

كانت علاقة حليم وبليغ علاقة خاصة جداً، ربما لم يكن لها مثيل في الفن، كان كلاهما مبدع بطريقته الخاصة، وتميز عملهما معاً بجمال فاق الحدود.

كان اللقاء الأول بين بليغ وحليم في أغنية تخونوه من كلمات إسماعيل الحبروك عام 1957 والتي غناها العندليب في فيلم الوسادة الخالية ، ثم خسارة من كلمات مأمون الشناوي في نفس العام ، ومن هنا انطلق الثنائي في عالم الغناء ، حيث اتفقا اتفاقاً فكرياً امتزج فيه كلاهما بالآخر ، فكلاهما كان متيماً بالتجديد، و شجع بليغ حليم علي اتخاذ خطوات فنية لم يكن ليتخذها بمفرده ، كغناء الأغاني الفلكلورية والتي كانت قفزة في تاريخ حليم الفني ، فلحن له بليغ : سواح،التوبة،علي حسب وداد قلبي و إن لقاكم حبيبي وكلها أغاني ذات مذاق شعبي ولكن بنكهة عصرية أضفتها عليها الجمل اللحنية البليغة لبليغ حمدي.

كذلك ساعد بليغ حليم ليصل إلي ما كان يصبو إليه من التجديد في الألحان فأدخل آلة الساكس في أغنية زي الهوا وأدخل الموسيقي الإلكترونية في موعود.

 

وصف عبد الحليم بليغ عندما غني مداح القمر بأنه أمل مصر في الموسيقي، فهكذا كان يراه حليم ، وعلي الرغم من ذلك دبت بينهما الخلافات مرتين بحسب تسجيلات صوتية لبلبغ حمدي ، كان الخلاف الأول بسبب مقالب حليم ومزحه الذي لم يتحمله بليغ،أما الخلاف الثاني فكان بسبب أغنية (هو اللي اختار) التيكان من المفترض أن يغنيها حليم في عيد الربيع ولكن عبد الوهاب طلب من حليم غناء فاتت جنبنا ، ولم يستطع حليم رفض طلب موسيقار الأجيال فطلب من بليغ تأجيل أغنيته وهو ما أغضب بليغ بشدة ، وحدثت قطيعة بينه وبين حليم لكنهما تصافيا بعدها ونسيا كل شيء ولم يسمحا لأصحاب النوايا السيئة أن يوقعوا بينهما من جديد.

وكان حليم قد تسبب في غضب كوكب الشرق من بليغ ، حيث كان بليغ يلحن احدي الأغاني لأم كلثوم، لكنه سافر مع حليم لإحياء إحدي الحفلات بالمغرب، ووعد بليغ الست أنه لن يغيب سوي خمسة أيام،لكن حليم تعرض لأزمة صحية مفاجئة نقل علي أثرها إلي المستشفي،فظل بليغ بجواره ولم يتركه إلا بعد أن تماثل للشفاء ، وعندما عاد إلي مصر وجد أن أم كلثوم ترفض مقابلته، حيث أوعز البعض لها بأن حليم اتفق مع بليغ علي تأخير لحنها ، فأخذ بليغ الصحف المغربية التي تحدثت عن تدهور الحالة الصحية لحليم وذهب بها إلي أم كلثوم وأراها إياها فسامحته.

أحب بليغ العندليب بشدة ، وتألم كثيراً لخبر موته، أقام بليغ عزاء حليم في منزله ، وعاش في حداد لفترة طويلة ، فكان في حالة من الذهول لوفاة صديقه المقرب ، ورفض بليغ أن يغني أي مطرب الألحان التي كان قد وضعها للعندليب ومنها أغنية:(الحب أحلي من حلاوته مفيش).

 

العندليب الأسمر وموسيقار الأجيال :

محمد عبد الوهاب ، الموسيقار الأشهر في الوطن العربي علي مر التاريخ ، والمثل الأعلي لحليم ، فكان عبد الحليم حافظ اذا طلب منه الغناء في أي موضع قبل أن تكون له أغنياته الخاصة كان يتغني بأغنيات عبد الوهاب ، وعلي الرغم من ذلك كان يغنيها بروحه هو وشخصيته، فلم يكن حليم أبداً مقلداً حتي قبل شهرته ، بل كان مجدداً علي الدوام ، واثقاً في نفسه وفي موهبته رغم كل الصعاب التي واجهته.

كان اللقاء الأول بين العندليب وموسيقار الأجيال عندما دُعي محمد عبد الوهاب إلي حفلة خاصة بمنزل أحد أصدقائه عام 1952 وكان العندليب هو من  قام بإحياء الحفل ، واستمع إليه الموسيقار الكبير جيداً ، بل وأعجب به كثيراً وأثني عليه ، وعندما سئل عن رأيه في المطرب الجديد قال بأنه متميز جداً ، وأكثر ما يميزه هو ثقته الكبيرة بنفسه فلم يهتز أو يخشي غناء إحدي أغنيات عبد الوهاب في حضرته ،بل غناها بأسلوبه الخاص وأضفي عليها من شخصيته وصبغته ، وبعين الخبرة والفن رأي الموسيقار الكبير في حليم مقومات النجم ، فتعاقد معه علي بطولة فيلم من إنتاجه وحدد له أجر 500 جنيه ولكنه لم يحدد موعداً لإنتاج الفيلم.

وانتظر محمد عبد الوهاب أن يعلن حليم عن نفسه ، ويحقق نجاحه منفرداً ، وهو ما حدث بعدما اطلق حليم أغنيتي صافيني مرة وعلي قد الشوق ، واصبح المطرب الأكثر طلباً ، وقدم فيلم لحن الوفاء مع الجميلة شادية ومن إنتاج محمد عمارة ، ثم الفيلم الرائع أيامنا الحلوة مع نجوم السينما : سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة ، وعمر الشريف و الوجه الجديدآنذاك أحمد رمزي ، وحقق الفيلمان نجاحاً كبيراً ، بعدها هاتف محمد عبد الوهاب حليم طالباً منه أن يقوم ببطولة الفيلم الذي اتفقا عليه من قبل ، وقبل حليم بطولة فيلم (بنات اليوم) مع ماجدة و آمال فريد وإخراج هنري بركات ، و قبل كذلك بنفس الأجر الذي كان في العقد الذي أبرماه وكان مقداره 500 جنيهاً ، بينما كان أجر حليم في تلك الفترة وصل إلي خمسة آلاف ، وفي المقابل قام موسيقار الأجيال بتلحين كل أغاني الفيلم ، فكانت خمساً من أجمل ما غني العندليب : عقبالك يوم ميلادك»، «يا قلبي يا خالي»، «كنت فين»، «أهواك»، و«ظلموه».

كان محمد عبد الوهاب يري في حليم امتداداً له ، وصوتاً شجياً يستطع به أن يتواصل مع الأجيال الجديدة خاصة بعدما أصبح مقلاً في الغناء ، وكان حليم يري فيه أستاذاً ومعلماً ينهل من فنه وخبرته ، وازداد ارتباطهما بعدما اسسا معاً شركة صوت الفن للصوتيات و صوت الفن للإنتاج والتوزيع السينمائي عام 1961 ، وقدم محمد عبد الوهاب العديد من الألحان العذبة للعندليب نذكر منها : فاتت جنبنا ، نبتدي منين الحكاية، قوللي حاجة ، أنا لك علي طول ، ضي القناديل، لست قلبي، يا خلي القلب، وكان أجمل لقاء وكان أجمل لقاء فني سيتم بينهما في أغنية «من غير ليه» التي أخذها عبد الحليم معه الى المستشفى في لندن، وحفظها وهو على سرير المرض، وحالت وفاته دون تسجيلها ، ليغنيها محمد عبد الوهاب بعد اربعة عشر عاماً ، وقبل عامين فقط من وفاته.

ولم يكن ارتباطهما فنياً فقط ، بل وشخصياً أيضاً ، فكان عبد الوهاب دائم النصح والإرشاد للعندليب الأسمر ، وكان حليم يكن له إعجاباً واحتراماً شديدين ، وتعلق كل منهما بالآخر تعلقاً شديداً حتي أن الفنانة الكبيرة فاتن حمامة ذكرت في حوار لها انها عندما سمعت بوفاة العندليب أسرعت إلي منزل عبد الوهاب لتواسيه وتطمئن عليه فقد كانت تعرف ما يعنيه حليم لموسيقار الأجيال وانه لن يتقبل هذا الخبر الصادم بسهولة.

حليم والفرقة الماسية

الفرقة الماسية  بقيادة الموسيقار أحمد فؤاد حسن هي الفرقة التي لازمت حليم منذ بداياته وحتي النهاية، حيث يحكي أحمد فؤاد حسن في احدي لقاءاته عن بداية معرفته بحليم عندما كان يدرس في المعهد العالي للموسيقي المسرحية ، وكان صديقاً لإسماعيل شبانة الأخ الأكبر لحليم ، فجاء اليه إسماعيل وكان أحمد فؤاد يقف علي سلم المعهد مع بعض زملائه ، وقال إسماعيل : عندي لكم مفاجأة ، ايه هي أصعب آلة في العزف ؟ ، فأجابوا: الأبوا ، قال إسماعيل : دلوقتي هوريكم شاب صغير يعزف علي الأبوا بمهارة، تعالي يا حليم ، وكانوا يتخيلون أن من يعزف الأبوا لابد أن يكون ضخماً ، فإذا بالشاب الصغير النحيل يعزف بمهارة منقطعة النظير ، فأعجبوا به إعجاباً شديداً وصفقوا له ، ومن هنا بدأت العلاقة الوطيدة بين حليم وأحمد فؤاد حسن .

وعندما بدأ نجم حليم في الظهور وطلبت منه شركة بيضافون للإسطوانات أن تسجل له اسطوانة وقالوا أنه سوف يسجل مع فرقة كبيرة تضم كبار الموسيقيين رفض حليم بلباقة وأصر علي ألا يغني إلا علي أنغام الفرقة الماسية قائلاً : أنا عندي فرقتي طالع معاهم وطالعين معايا وبنستبشر ببعض ، وأصر حليم علي رأيه حتي رضخت الشركة مطالبة إياه بتحمل المسئولية كاملة ، وهكذا ساهم حليم في بزوغ نجم الفرقة الماسية التي غني علي أنغامها أعظم نجوم الغناء في الوطن العربي بداية من حليم وصولاً إلي فايزة أحمد ووردة.

ولم تسلم العلاقة الحميمة بين حليم وأحمد فؤاد حسن من ألسنة الصحافة ، فمن المعروف أن حليم كان يشرب الماء أثناء الغناء أحياناً حيث كان يجف ريقه أثناء الغناء بسبب مرضه ، وفي إحدي المرات انسكب كوب الماء عندما لمسه أحمد فؤاد حسن دون قصد، وبدون أن يشعر العندليب أشار أحمد فؤاد لشخص خلف الكواليس ليقوم بإحضار كوب آخر ، فكتب أحد الصحفيين متهكماً علي الأمر متعللاً بأن هذا ينقص من قدر أحمد فؤاد حسن ، وعندما سئل أحمد فؤاد عن الأمر أجاب إجابة شافية عبرت عن مدي المحبة والود بينه وبين حليم فقال: وأناوله الجزمة كمان لو أقدر .

العندليب وشادية 

كانت بداية عبد الحليم حافظ في السينما مع شادية في فيلم لحن الوفاء عام 1955 ، وشكلا معاً ثنائياً رائعاً علي مستوي التمثيل والغناء ، فشادية هي المطربة الوحيدة التي غني معها حليم (دويتو) حيث بدءا معاً بأغاني فيلم لحن الوفاء : (احتار خيالي : تأليف محمد علي أحمد وألحان حسين جنيد ، تعالي أقولك : تأليف فتحي قورة، ألحان منير مراد و أوبريت لحن الوفاء من كلمات محمد علي أحمد وألحان رياض السنباطي وهي الأغنية الوحيدة التي لحنها السنباطي لحليم )، وغنيا معاً إحنا كنا فين في فيلم دليلة من كلمات حسين السيد وألحان منير مراد ، ثم الدويتو الأشهر حاجة غريبة من فيلم معبودة الجماهير من كلمات حسين السيد و ألحان منير مراد أيضاً .

وهي الوحيدة التي قامت ببطولة ثلاث أفلام أمام العندليب هي علي الترتيب : لحن الوفاء الذي كان بداية انطلاق حليم، دليلة وهو أول فيلم مصري ملون بتقنية سكوب ، ثم فيلم معبودة الجماهير الذي يعتبر أنجح أفلام العندليب والذي استمر تصويره لأربع سنوات بسبب ظروف حليم الصحية ورحلات علاجه المتكررة .

ويرجع الفضل في التعارف بين شادية وحليم إلي كمال الطويل حيث تقول شادية أنها سمعت صوت حليم عبر الراديو وأعجبت به ووجدت فيه روح الشباب القريبة منها ، فسألت عنه كمال الطويل الذي عرفها إليه بدوره ، وكانت تتخيله شاب طويل وعريض فإذا بها تجده شاب نحيل أسمر ذو عينين يشع منهما الذكاء ، فتحدثت معه وأبدت له إعجابها به ، وأصبحا صديقين من يومها ، حيث وصفته شادية بأن شخصيته أضخم من صوته .

 

حليم وتأثيره في السينما 

غير حليم صورة الفتي الأول او (الجان) في السينما المصرية  ، فلم يكن مفتول العضلات ولا يمتلك من مقومات الوسامة التي كانت سائدة في ذلك الوقت ، لكنه ملك الجميع بكاريزمته وحضوره وإحساسه وصوته ، فقالت عنه شادية وهي صاحبة العدد الأكبر في الأدوار أمامه أنه كان فنان عظيم ويشعر بما يقوله ، وكان يريح البطلة امامه كثيراً  وكان من السهل الكاريزمته وحضوره وإحساسه وصوته ، فقالت عنه شادية وهي صاحبة العدد الأكبر في الأدوار أمامه أنه كان فنان عظيم ويشعر بما يقوله ، وكان يريح البطلة امامه كثيراً  وكان من السهل الإندماج معه ، ومثل حليم أمام فاتنات السينما جميعهن ، فمثل أمام سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة أيامنا الحلوة و موعد غرام ، وأمام مريم فخر الدين حكاية حب ، وأمام إيمان أيام وليالي وكان العندليب هو من أطلق عليها لقب سمراء النيل ، وأمام ماجدة وآمال فريد في بنات اليوم ، ومع آمال فريد أيضاً في فيلم : ليالي الحب ، وأمام لبني عبد العزيز و زهرة العلا في الوسادة الخالية، و مع زيزي البدراوي وسعاد حسني في البنات والصيف ، الخطايا وأبي فوق الشجرة أمام الجميلة نادية لطفي،وشارع الحب مع الشحرورة صباح، وأخيراً يوم من عمري أمام ملكة جمال الشرق زبيدة ثروت التي أحبت حليم حباً كبيراً حتي أنها أوصت أن تدفن بجواره.

وهو المطرب الوحيد الذي اشترك في بطولة ثلاث أفلام اختيرت من أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية وهي : أيامنا الحلوة في المركز 83 ،أبي فوق الشجرة في المركز 88 ، و الخطايا في المركز 93 .

الجانب الآخر من حياة حليم 

كان عبد الحليم حافظ من الشخصيات القليلة التي شهد لها كل من تعامل معها بدماثة الخلق والتواضع الشديد ، فلم يكن يهوي التفاخر أبداً ، وكان يمكن أن ينزل من سيارته إذا قابله معجب وأراد أن يسلم عليه، فيقابله بابتسامة ودون تذمر .

كذلك كان يحرص علي تقديم الفرقة الماسية بنفسه في بداية الحفلات ، وكان يعامل أعضاءها باحترام وتواضع شديدين لم يكونا معهودين في نجوم هذا الزمن، الأمر الذي جعل أعضاء الفرقة يحبونه حباً جماً، ويتوقون للعمل معه مهما كان مجهداً، فحليم كان يقوم ببروفة الأغنية حوالي 45 مرة قبل غنائها للمرة الأولي علي المسرح، وكان يجهد في البروفات إجهاداً شديداً ، وكان لا يرضي بالإتقان بديلاً، وكان أعضاء الفرقة الماسية يعلمون ذلك جيداً، فكانت محبتهم له دافعاً لهم للإجتهاد والوصول إلي المستوي المطلوب.

كان حليم إنساناً بسيطاً ، يرتدي الجلباب والطاقية في منزله ، وكان يحاول دائماً أن يستمتع بدفء أسرته فكانوا يعيشون معه ، وكان يحب أخاه إسماعيل حباً جماً ، ويري فيه الأب الذي لم يعرفه ، قال عنه حليم في مذكراته : كان إسماعيل هو الأخ الأكبر فعلاً، لقد كان هو الإنسان الذي فوجئ بأنه مطلوب منه أن يكون الأب والأم والصديق، وقد استطاع أن يوفي الرسالة ، وكان إيمانه بالله إشعاعاً ينتشر من حوله،علمني في هذه السنوات كيف أمسك المصحف، وكان المصحف هديته لي عندما نجحت، وعلمني كيف أقرأ القرآن وأجد فيه الراحة، إن القرآن هو صعود لأعلي ، إلغاء للكراهية،مزيد من الحب القوي ، معرفة أن الله يحب الإنسان وأن الحياة رحلة كفاح جميلة وعذبة.

وهكذا كان لتربية حليم وأسرته المحافظة أثراً كبيراً في شخصيته ، فكان يحرص علي إقامة الصلاة حتي أثناء العمل ، وكان بجانب  سريره دائماً مصحفاً يحرص علي القراءة فيه قبل النوم ، وكان منزله لا يخلو من الفقراء والمحتاجين الذين لم يكن يتردد في مساعدتهم، يقول حليم عن نفسه في مذكراته التي نقلها عنه الكاتب الصحفي منير عامر : في طفولتي لم يكن الشيخ يضربني لأنني كنت أحفظ القرآن جيداً وأقوم بكتابة الواجب ، ويتذكر بعد ذلك جده الشيخ شبانة الذي كان يقرأ القرآن فتسكت له الطير علي حد تعبيره ، ثم يروي أنه ذات مرة طلب منه المؤذن أن يؤذن لصلاة العصر فيقول : صعدت إلي المئذنة وناديت الله أكبر وصليت العصر معهم.

وفي منتصف عام 1976 ، كانت آخر زيارات حليم للمملكة العربية السعودية،حيث قام بآداء العمرة ، وحضر غسيل الكعبة، وبعد انتهاء المناسك عاد حليم إلي القاهرة، بعدها سافر إلي لندن في رحلة علاج كانت الأخيرة، وجاء ختام الرحلة المليئة بالمجد والدموع ، ورحل العندليب عن عالمنا في 30 مارس 1977 ، وعاد الجثمان إلي مصر ليصل إلي مثواه الأخير في جنازة مهيبة، علا فيها صوت المشيعين: يا حليم يا نور العين…سايب مصر ورايح فين….

 

Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2016-04-19 13:55:02Z | | ÿ:/%ÿ5,”ÿ3)ÿ¶“q’

 

 

 

 

 

 

رأيك مهم
Like
Love
Wow
Sad
You have reacted on "في الذكري الثانية والأربعين لوفاته : حليم ̷..." A few seconds ago

رانا مجدى

طبيبة نفسية، محبة للكتابة ومحررة بموقع بيهايند تعشق الفن السابع والموسيقى وكرة القدم.

ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock