مراجعات افلاممقالات

مراجعة لـ فيلم The Farewell

عندما يصاب الناس بالسرطان فإنهم يموتون، ليس السرطان ما قتلهم بل الخوف

عصفورة وحيدة بدون رفيق .. يكسو الحزن ملامحها وصوت زقزقتها المبحوحة .. تشتاق كثيراً لسربها وموطنها .. لا يعلم قيمة الوطن إلا من ذاق مرارة الغربة ..ليتها تستطيع الطيران.

فيلم The Farewell مبني علي كذبة حقيقة حدثت في حياة كاتبة ومخرجة الفيلم لولو وانغ، حيث كذبت عائلتها فعلاً علي جدتها بشأن تشخيص حالتها بمرض السرطان، واستخدموا حفل الزفاف الوهمي كمبرر للتجمع وزيارتها كما حدث في الفيلم.

منذ الوهلة الأولي نجد المفارقة بين الشرق والغرب من حيث العائلة والترابط بين أفرادها والعادات والتقاليد من خلال شخصية بيلي، فبيلي فتاة صينية في الثلاثين من عمرها، انتقلت مع أبويها إلي أمريكا عندما كان عمرها ست سنوات، ورغم كل هذه السنوات والمسافات ما زالت تتواصل مع جدتها ولم تتوقف عن حبها أو تنساها، ويرجع ذلك إلي سحر الإهتمام الذي كان قادراً علي إذابة حاجز المسافة والزمن، فجدتها كانت الوحيدة التي تعتني بها وتهتم بأدق التفاصيل التي تخصها مثل هل الجو بارد هناك؟ .. هل ترتدي ملابس كافية؟ .. هل لديك صديق؟ .. أسئلة بسيطة قد تبدو اعتيادية للبعض وتافهة للبعض الآخر ولكن لها مفعول السحر، فليس هناك أجمل من أن تمتلك في حياتك شخصاً يهتم بك لأنه يحبك .. لأنك بالنسبة له أغلي شيء في هذه الحياة، لذلك كانت جذور العلاقة بين بيلي وجدتها قوية جداً وصامدة، وأيضاً اللحظات القليلة السعيدة في حياتها كانت مع جدتها في طفولتها في الصين عندما كانتا تصطادتان اليعاسيب، وربما كانت تستدعي هذه الذكريات طوال الوقت للتخفيف من هول ألم الوحدة والغربة.

تطبعت عائلة بيلي بالعادات والتقاليد الغربية، لذلك كانت تواجه الحياة بمفردها .. تعيش بمفردها في منزل بسيط مستأجر .. تدفع الإيجار وتتحمل المصاريف بمفردها، وفشلت العائلة في إحتوائها في هذه الفترة الصعبة حتي تتكيف مع الغربة، فكل ما كانوا يسألون عنه هو منحتها الدراسية ومستقبلها فقط بدلاً من السؤال عنها وعن أحوالها وعما بداخلها، لذلك نشأت حواجز الغربة بينهم رغم قرب المسافة وصارت علاقتهم متوترة، فتلاحظ برود وخلو من الحب والحميمية في المشاهد التي جمعت بين بيلي وعائلتها عكس مشاهد الجدة رغم أنهما كانتا تتحدثان علي الهاتف المحمول.

عجيب أمر وحال البشر .. يقدرون الشيء المفقود علي الشيء المملوك .. يقدرون الموت علي الحياة .. عندما يكونوا بعيدين عن الأحبة يتعذرون بحجة وراء حجة .. ظرف وراء ظرف .. فلا يحين موعد اللقاء ولا تنتهي الحجج والظروف .. ولكن عندما تحتضر الجدة بسبب مرض السرطان ولم يعد أمامها سوي ثلاثة شهور علي الأكثر تتبخر الحجج والظروف وكأنها لم يكن لهم وجود .. يحجز الأقارب علي أول طائرة إلي الصين منهم من جاء أمريكا ومنهم من جاء من اليابان محملين بمشاعر الحزن والندم المخفيين والدموع التي تنهمر بداخلهم ، وكأن البشر مصرون علي عدم التعلم من أخطائهم، مصرون علي عدم تقدير قيمة الشيء إلا لما يروح، واجتمعت العائلة للمرة الأولي منذ أكثر من عشرين عاماً بحجة حضور حفل زفاف وهمي، فقد قرروا اخفاء الأمر عنها لأن لدي الصينيون مقولة “عندما يصاب الناس بالسرطان فإنهم يموتون، ليس السرطان ما قتلهم بل الخوف”، فهم يعتبرون حياة الشخص جزء من الكل ويجب عليهم حمل هذا الألم والخوف علي عاتقهم مكانها علي عكس الغرب الذين يعتبرون حياة الفرد تخصه وحده، وها هي مفارقة أخري.

البساطة .. لطالما سحرتني وجعلتني أقع في حب جمالها الذي لا يُضاهي .. تمثيل بسيط .. شخصيات بسيطة .. سيناريو بسيط .. إخراج بسيط .. كل شيء بسيط والفخ مهييء تماماً لأقع فيه بمليء إرادتي .. لأذوب في عالمه الخاص وأصبح أحد مكوناته .. أشعر بحزن الشخصيات الدفين وصوت البكاء الخفي والدموع غير المرئية التي تتساقط بغزارة .. أشعر بألم الغربة والوحدة والخوف الساكن في أعماقهم .. أشعر بحب ونفس وشغف لولو وانغ في كل كلمة وكل كادر وكل شخصية .. حيث قامت بتصميم شخصيات واقعية للغاية مدعمة بحوارات بسيطة واقعية متقنة تنوعت بين الدراما والكوميديا دون أن تقع في فخ الميلودراما أو الهزل .

محمد عرفان (Arf Ofy)

السينما هى كيفية أن تعيش أكثر من حياة .. حياة جديدة مع كل فيلم تشاهده .. وهدفي هو ترشيح أفلام جيدة ومختلفة تحترم عقليتك كمشاهد .. وتسحبك معها إلي عالمها المليء بالسحر والأفكار والمشاعر كي تعيش تجربة لا تُنسي تنغمس فيها بكل حواسك.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock