مقالات

فيلم paths of glory – لحظة ستشعر فيها حتماً بالخجل من إنتمائك للجنس البشري

تحذير!! هناك حرق لبعض الأحداث

 

عرائس خشب علي مسرح يحوم حوله أشباح الموت .. بيادق علي رقعة الشطرنج يتم التضحية بها من أجل حماية الملك .. آلات في عيون قادتهم لا يجب أن يؤثر فيهم موت صديق وتمزق آخر إلي أشلاء .. أرواح لا قيمة لها لا مانع من إهدار حياتهم من أجل مجد شخصي.

يصطحبنا كيوبريك بواسطة كاميرته العبقرية المصنوعة من إحدي خلايا عقله إلي إحدي الأوقات التي سنشعر فيها حتماً بالخجل من الإنتماء بالجنس البشري .. إلي الجانب الخفي من الحرب الذي يشبه الغابة حيث تجرد البشر من قيمهم الإنسانية وأصبحوا كائنات بدائية حقيرة تسيطر عليهم غريزة السلطة والمجد الشخصي .. والسلسلة الغذائية لهذه الغابة صاحب السلطة الأعلي يتغذي علي صاحب السلطة الأدني.

الحرب جانبين: جانب الجنود التي تحارب علي أرض المعركة، وهم يعيشون في خنادق ضيقة يتم قذفها طوال الوقت وأصوات الرصاص لا تفارق أذانهم، ومع كل هجوم ناجح يمكنهم من التقدم لمئات الياردات يفقد مئات الآلاف منهم أرواحهم .. وجانب القادة الذين يعيشون في قصور واسعة وراقية مليئة بالأثات الفاخر والتماثيل واللوح الفنية، يقضون النهار في إصدار الأوامر وخداع الشعب بالخطابات والشعارات الوطنية فكما نعلم الوطنية هي الملاذ الأخير للأوغاد، والليل في إقامة حفلات الرقص وشرب النبيذ، وللسخرية هم الذين ينالون كل المجد والإشادات علي كل حركة هجوم ناجحة وذلك بالطبع لوطنيتهم الشديدة وحسن تخطيطهم ورؤيتهم الثاقبة، فما أسوأ أن يتحكم في مصير ملايين الأرواح البريئة أوغاد لا هم لهم سوي مصلحتهم الشخصية.

وفي إحدي الأيام بينما يشرب القادة كأساً من النبيذ الفاخر خطر علي بالهم فكرة الإستيلاء علي حصن منيع يدعي تل آنت، فقاموا بإبلاغ الجنرال جورج الذي ذهب بدوره إلي قصر الجنرال ميرو ليسند إليه وفرقته هذه المهمة لانه يعلم تماماً أنه الشخص الوحيد القادر علي الإستيلاء علي هذا الحصن، يرفض ميرو لأنه يعي تماماً أنها مهمة إنتحارية وبقبوله لها فإنه يرسل فرقته إلي حتفها فوفق رؤيته ألمانيا استطاعت الإحتفاظ بهذا الحصن لعام وتستطيع الإحتفاظ به لعام آخر كما أن فرقته منهكة من كثرة الحروب التي خاضتها، ويلقي خطاب (سوف تدمع عيناك من فرط وطنيته وتقديره لقيمة حياة جنوده) عن كونه مسؤولاً عن حياة 8000 جندي وهم لهم الأولوية ولا يوجد أي طموح أو مجد يضاهي حياة جندي واحد.
– جورج: خلاص خلصت؟! ده أنا مجهزلك ترقية.
= ميرو: مش تقول كده من الأول يا راجل اعتبر الحصن عندك النهاردة قبل بكره.

وبالفعل يذهب شبح الموت إلي الخندق ليرفع من الحالة المعنوية لرجاله، يتفحص الحصن من المنظار ويقنع نفسه بأن رجاله يمكنهم فعلها، يخبر الكولونيل داكس بأن فرقته يجب أن تستولي علي حصن آنت غداً بدون أي دعم خارجي، يحاول داكس إقناعه بإستحالة هذه المهمة نظراً للحالة السيئة لجنوده، ولكنه يحاول إقناع من؟! شخص قتل ضميره مقابل ترقية ولا مانع لديه من التضحية بأكثر من نصف رجاله من أجل الإستيلاء علي الحصن، ثمن رخيص بالنسبة له، يصدمه داكس بمقولة صمويل جونسون “الوطنية هي الملاذ الأخير للأوغاد” فيغضب ميرو ويتلاعب علي وتر وفائه ويخبره بأن يعتبر نفسه في إجازة مفتوحة، فيقبل داكس مضطراً في النهاية حتي لا يتخلي عن رجاله في هذه المهمة الإنتحارية، قارنوا بين هذا وذاك .. شتان الفرق بينهما .. ماذا لو كان الشخص الصحيح في المكان الصحيح؟ .. ولكن الوطنية والمثالية هما آخر ما يحتاجونه هؤلاء الأوغاد المدعيين.

وكما كان متوقعاً تنهزم الفرقة هزيمة ساحقة ولم يتمكن حتي جندي واحد من الوصول للأسلاك الشائكة للألمان، إذاً من المخطيء والمسؤول عن هذه المجزرة؟! خطأ! إليك قاعدة القادة مثل الألهة لا يخطؤون، بالتأكيد جبن الجنود هو السبب فلو لم يكن كذلك لكانت جثث الفرقة بأكملها مبعثرة في الخندق ولذلك يجب إعدام مجموعة من الأفراد حتي يكونوا عبرة ودفعة لباقي الجنود، ويتم المساومة علي عددهم وكأنهم سلعة في مشهد سيجعلك تشعر بالإحتقار من الجنس البشري، فينجح داكس في تخفيض العدد من مائة إلي 3 علي أن يختار كل قائد فرقة فرداً واحداً من فرقته، وبالفعل يتم اختيار ثلاثة أشخاص الأول عن طريق القرعة والثاني لأنه غير مرغوب اجتماعياً والثالث لغرض شخصي فهو الشاهد الوحيد عن قتل قائده لزميله بالخطأ ولكنه لم يستطع الإبلاغ عنه لان السلطة سترجح كفة قائده، وللسخرية الثلاثة أشخاص الذين وقع عليهم الإختيار هم أول ثلاثة أشخاص قابلهم ميرو عند نزوله للخندق أول مرة لم يكن يدرون وقتها أنهم يحيون شبح الموت الذين سيوقع عليهم حكم الإعدام، والسخرية الثانية أنهم كانوا أشجع الأشخاص في فرقهم وملفاتهم تشهد بذلك ولكن ما فائدة إنجازات الماضي كان يجب أن يهجموا ثلاثتهم علي الحصن ويستولوا عليه، والسخرية الثالثة والمهزلة الأكبر كانت محاكمتهم في قصر ميرو وهنا أبدع كيوبريك بشكل استثنائي في توزيع العناصر داخل الكادر واختيار مواضع الكراسي بدقة بما يخدم التكوين البصري الذي عزف عليه أجمل سيمفونية.

المتهمون الثلاثة بجانب بعضهم في منتصف المحكمة مواجهين للقضاة علي يمينهم يجلس داكس محامي دفاعهم بمفرده لانه صوت الحق الوحيد، وعلي يسارهم المدعي العام وبجانبه يجلس ميرو علي الأريكة في إشارة إلي حقارتهم ودنائتهم وانهم المتسببين الحقيقين في هذه المهزلة وستظل يداهم ملطخة بدماء الجنود الثلاثة، والأجمل من ذلك كان لقطات المقربة علي وجه ميرو في المشاهد الحوارية بينه وبين داكس فقد كان ينظر إليه نظرة سريعة ثم يحيد بنظره عنه لا يستطيع النظر في عينيه لأنه يعلم أنه المتسبب الحقيقي، عند استدعاء أحد المتهمين يقترب من الكاميرا مع بقاء الاثنين علي أطراف الصورة في إشارة إلي أن مصيرهم مرتبط وواحد، ويسدل ستار هذه المهزلة علي المصير المحتوم للجنود.

العدو لم يكن أبداَ علي الجبهة الأخري لذلك لم يظهر أي جندي ألماني طوال الفيلم، العدو كان قريباً منهم وأمام أعينهم طوال الوقت، إنه من إئتمنوه علي دولتهم وعلمهم وأرواح أبنائهم، ولكن لم يكن يهمه شيء سوي مصلحته فأقحم الجنود في مهمة إنتحارية فمات الجنود وترملت الزوجات وتيتم الأبناء وتلونت الأرض بدمائهم، والوغد المستعد للإقدام علي مثل هذه التضحية تيقن بأنه مستعد لقذف فرقته بنفسه إذا وضعوا مصلحته الشخصية علي المحك لذلك لا عجب أن مثل هؤلاء سيجعلوك تخجل من انتمائك للجنس البشر.

الموسيقي لا تعرف لغة محددة أو دين، لا يهم من أنت لأنها تكسر كل الحواجز التي صنعها البشر بينهم، ففي مشهد جميل للغاية تقف امرأة ألمانية جميلة تم أسرها علي المسرح أمام الجنود فيبدأون في التصرف كقطيع من الحيوانات ويستمتعون بتوجيه الإهانات لها، لا عحب أنهم فقدوا إنسانيتهم فما رأوه ليس هيناً، ترتعب الفتاة من منظر الجنود وتشرع في البكاء ولكن عندما تبدأ بالغناء ويعلو صوتها تدريجياً ينخفض في المقابل أصوات الجنود ويبدأون في دندنة الأغنية التي تذكرهم بأحبائهم وتنغمر الدموع من عيونهم، هم لا يفهمون اللغة ولكن الموسيقي شعور يتغلل بداخلك وليس مجرد كلمات، الكلمات ما هي إلا وسيلة للتعبير مثل الحوار تماماً الذي يعبر عن حالة الصورة، لتسدل واحدة من أجمل النهايات التي رأيتها الستار علي تحفة كيوبريك.

– في صدفة جميلة علمتها أثناء كتابتي عن هذه التحفة بأن Christiane Susanne المرأة الوحيدة التي ظهرت في أحداث الفيلم أصبحت زوجة كيوبريك بعد هذا الفيلم.

محمد عرفان (Arf Ofy)

السينما هى كيفية أن تعيش أكثر من حياة .. حياة جديدة مع كل فيلم تشاهده .. وهدفي هو ترشيح أفلام جيدة ومختلفة تحترم عقليتك كمشاهد .. وتسحبك معها إلي عالمها المليء بالسحر والأفكار والمشاعر كي تعيش تجربة لا تُنسي تنغمس فيها بكل حواسك.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock