مراجعات افلام

مراجعة فيلم Once Upon A Time In Hollywood

تمجيد بالغ وحكاية ينقصها الكثير

في فيلم كوينتين تارنتينو التاسع Once Upon A Time In Hollywood وما قبل الأخير، يتمسك ببعضٍ من أساليبه المعتادة التي إستطاع من خلالها نيل محبة جموعٍ غفيرة من عشاق السينما بجميع أنحاء العالم.

 

 وكما يعرف الجميع ،فأن بصماته السينمائية تمتد من قوة اللغة الحوارية وما يمكن أن تتمتع به من حس فكاهيٍ في بعض الأحيان تنتزع الضحكات كما لو كان الفيلم كوميدياً من الأساس، مروراً بالتلقبات المستمرة التي تشهد من خلالها القصة إرتفاعاً تدريجياً في مسار الاحداث مع لحظات العنف الشرسة التي بالرغم من أنها لا تترك ورائها سوي دماءاً تسال كالأنهارٍ إلا انها تحتفظ بكونها عنصراً أساسياً من عناصر المتعة التي يدرجها “تارنتينو” بأفلامه، ووصولاً للحظات النهاية التي لا تُسدل الستار علي العمل إلا وقد تركت أثراً لا ينسي تنتهي به القصة بطريقةٍ مناسبة ومرضية للجميع.

 

هنا “تارنتينو” كان مدفوعاً بالحنين لزمن الفن الجميل الذي كان مصدر إلهامه لصياغة حكاية من صميم ذاكرته بعدما تداخلت “هوليوود” بسحرها الخلاب في جسده حتي أصبح في الأخير واحداً من أبنائها المخلصين وصدي صوتها للعالم بأسره.

 

الولَه كان للعصر الكلاسيكي لهوليوود علي وجه التحديد و التي خُلدت قوائم إصداراته بحروفٍ من نور، وتميز علي الجانب الأخر بزهو كنوزه السينمائية وجمالية فنونه بأكملها وحرفية القائمين عليه ، لاسيما أن من هؤلاء الأشخاص من يدين له “تارنتينو” بالفضل علي ذلك الزخم الهائل من الإلهامات الفنية الذي إنبثقت دفعةً واحدة وتمكن من خلالهم من تطوير رؤيته الفنية  التي شكلت حجر الأساس لفلسفته الخاصة وأطلقت العنان ل”تارنتنيو” كي يمرق بسرعة الصاروخ نحو مصاف المخرجين الكبار أصحاب المدارس السينمائية والغدو عموداً من أعمدة صواري “هوليوود” علي مدار السنوات السابقة.

مراجعة فيلم Once Upon A Time In Hollywood

السيناريو الذي كتبه “تارنتنيو”كعادته يبرز الحد الفاصل بين تلك الحقبة التاريخية عن سائر ما ورد بعدها، وهي التي إنقضت بالتحديد عند منتصف السيتنيات حينما واجهت إستوديوهات “هوليوود” صعوباتٍ جمة لمواكبة كافة المتغيرات التي كانت تطرأ يوماً بعد يوم علي صناعة السينما برمتها.

ليس ذلك فحسب ،بل يتناول كذلك “تارنتينو” (بسطحيةٍ مبهمة كما سنتحدث عنها لاحقاً) النهاية الفعلية التي تم الإستشهاد بها علي نطاق شاسع في أمريكا ،وإدُعي بأنها القشة التي قسمت ظهر البعير وتسببت في رسمية إنقضاء تلك الحقبة من الزمن بكارثةٍ كبري دنست عقودٍ من الإبداع الفني المتكامل في كل شئ، ألا وهي مقتل فاتنة الستينيات “شارون تيت” زوجة المخرج البولندي “رومان بولانسكي” بصحبة أربعة أخرين علي يد جماعة “العائلة” التي يتزعمها السفاح الشهير “تشارلز مانسون” المعروف بشذوذه الفكري والعقائدي التي عكرت بدورها أجواء السلام بأمريكا وقتها.

 

كل ما سبق ذكره يعزز ما تردد عن الفيلم بكونه الأقرب ل”تارنتينو”، حيث يُبرز من خلاله كافة ما يكن بجوارحه ويعكس جل مشاعره الحسية التي تكشف عن هيامه بفكرةٍ معينة في ذهنه يلقي من خلالها تحية مفعمة بالحب لزمنٍ من أزمنة “هوليوود” الذهبية التي لولاها ما كان ليصنع تلك النجاحات الكثيرة بعددٍ من الأعمال لم تعدي الرقم 10 حتي الآن.

 

برغم من ذلك ، فيلم Once Upon A Time In Hollywood يشهد تراجعاً نسبياً في عددٍ من التفاصيل التي يألفه جمهوره عن ظهر قلب وسقوطٍ مفاجئاً في فخٍ غائرٍ بالسلبيات الواضحة رؤيا العين،فبالرغم من أنه لم يسبق ل”كوينيتن تارنتينو” أن تكون سينماه مُدججة بأية عيوبٍ منذ إطلالته الأولي وتقديمه لإحدي فواكه السينما الكلاسيكية “Pulp Fiction“، الإ ان فيلمه السابق “The Hateful Eight” بما طاله من إنتقاداتٍ كانت بمثابة جرس الإنذار الذي لم يتنبه له “تارنتينو” كي يعدل أوتاره ويرمم الأخطاء التي توارد البعض منها في هذا الفيلم علي نحوٍ ملحوظ.

 

تتركز قصة فيلم Once Upon A Time In Hollywood بشكلٍ أكبر علي الشراكة التي تجمع بين “ريك دالتون”، نجم المسلسل التلفزيوني ذو الطراز الغربي”Bounty Law” الذي بدأ في فقدان بريقه نتيجة ظهوره المتكرر في أدوار الشر بأعماله مما أدي ذلك لنفور الجمهور منه نتيجة عدم إجادته للبعض منها علي النحو الأمثل، والدوبلير الخاص به “كليف بوث” الذي تجمعه أيضا صداقة قوية ب”ريك” في وقتٍ تدير هوليوود ظهرها للأخير برغم من كم الأعمال التي شارك بها من قبل وساهمت في علو شانه لفترةٍ من الفترات.

 

“تارنتينو” قد أطلق العنان للثنائي “ليوناردو دي كابريو” و”براد بيت” لتقديم ما يلزم من اللحظات السينمائيةٍ البديعة التي تنب من براعة قلم “تارنتينو” المعهودة في الشق الحواري الذي تأثرت به ذاكرتنا من قبل كمشاهدين ومحبين لما يقدمه “تارنتينو” من سحرٍ في الكلمات ومتعةٍ في الحوار تثير شبقنا الهائل لمنزوجٍ سينمائي اعتدنا رحيقه في السابق.

 

ساعد علي ذلك أداء “دي كابريو” المُتقن لأساسيات التتمثيل والمتفاني في تجسيد شخصياته علي النحو الذي ينجلي تماماً في ساحة العمل وعلي وجهته بالتحديد، فهو الوحيد القادر علي عكس مشاعر “ريك دالتون” الذاتية والتي تتفاوت بين اليأس تارةً وهوس الغرور تارةً أخري في حنكةٍ شديدة بفضل قدرته على تلوين أدائه

والانتقال من حالة إنفعالية لأخرى بتلقائية مبهرة تضع “دي كابريو” في مكانة خاصة بعيدة عن نجوم “هوليوود” أجمعين بما يحويه من إخلاصٍ تام للسينما وجمهورها.

 

في حين يتفوق “براد بيت” علي نفسه من جديد تحت لواء “تارنتينو” في شخصية تتسم بهدوءٍ قاتم لا يتوافق ضمنياً مع مظهرها الخارجي ،فمن خلال عدة تسلسلاتٍ في سياق القصة، نتمشي بأعيننا حول “كليف بوث” ونحاول التعمق اكثر فأكثر في ذلك السكون الذي يكسي وجهه ويحيله لوضعيةٍ من البرودة الحسية تجاه ما يتعرض له من مفارقات، لكن التعقيد يخيم علي الشخصية في تعمد واضح من “تارنتينو” لإبقاءها علي تلك الوتيرة طوال زمن الفيلم (باستثناء النهاية)، مما يجعلها مثيرةٍ للإهتمام أكثرعن “ريك” الذي تتمتع شخصيته بنزعاتٍ من العنجهية أحياناً مصحوبةٍ بإضطراباتٍ عاطفية وتوترٍ حاد يصيبه دوماً عقب فشله  في القيام بوظيفته علي أكمل وجه، والفضل في ذلك يعود لأداء “بيت” الذي يثبت بأن لمعانه دائم طالما ظل علي قيد الحياة يتحف جمهوره بما لذ وطاب من أداءاتٍ لا تتسم بالمبالغة أو التكلف.

 

تلك ليست الإيجابية الوحيدة، فكما ذكرت سلفاً “تارنتينو” يعلن خلال مشروعه التاسع عن عزمه القيلم ببعث رسالة حب ل”هوليوود” أيام شروق شمسها السينمائي وقتما كان الحرس القديم من منتجين الأعمال الفنية يستثمرون أموالهم في صناعة الكلاسيكيات التي تشكل حالياً مكتبةٍ متكاملة الأركان تشمل كل كبيرةٍ وصغيرة عرفتها الأجيال السابقة وتتضمن العديد من الأفلام السينمائية والأعمال التلفزونية التي كونت الثقافة الشعبية التي باتت معروفة لدي الجميع في الوقت الحالي.

 

لذلك كان “تارنتينو” دقيقاً للغاية في تصميم “لوس إنجلوس” كما تخيلها في القِدم، ونجح في ذلك مستفيداً من تعاونه مع  مصممة الإنتاج “باربرا لينغ” في تصميم معالمها كي تكون قريبة الشبه من نظيرتها الحقيقية، ولكن تبادر وجود بعضٍ من المبالغة في عرض كافة تفاصيل المدينة وبأسلوبٍ غير مناسب لم يساهم سوي في مط الفيلم لأكثر من ساعتين دون جدوي حقيقية من إطالة عرض تلك المشاهد التي أنقصت من جودته دون أن تضيف له شيئا جديداً يرثي ما يدور في مخيلة “تارنتينو” العاشق الولهان لأرض السينما العالمية في بلاده الأم.

 

وبما أنه تم التطرق للسلبيات، فيجب الإشارة بأن “تارنتينو” لم يتعامل مع القصة المراد سردها بالطريقة المثلي، فقد جائت مفككة، تفاصيلها تتحرك في إتجاهات مختلفة لا تلتقي في النهاية بطريقةٍ مرضية ، إيقاعها يتسم بالبطئ الشديد النابع من المدة الزمنية التي تقارب أكثر من ساعتين ونصف الساعة وشروع “تارنتينو” في المظهر الجمالي الذي امتد وطغي علي الحدوتة المراد سردها ،وذلك حتماً يطلق العديد من التساؤلات عن أسباب بُعد تارنتينو عن أسلوبه السردي المعتاد الذي يكن من خلاله إهتماماً خاصاً بالتوازن بين عنصري القصة وخلق الأجواء الخاصة بها،مما إنعكس علي التجربة ككل بالسلب وباتت غير مستثاغة علي غرار أفلامه السابقة التي يكمن سحرها السينمائي الجذاب في كونها زاخرة بالأحداث المثيرة واللحظات الرئيسية التي لا تمحي أثارها من الذاكرة.

 

علي الجانب الأخر،الكل توقع بتتطرق “تارنتينو” لتفاصيل الحادث المأساوي التي لقيه من خلالع “شارون تيت” مصرعها علي يد جماعة “مانسون” بطريقته الخاصة التي تسرد الواقعة علي الطريقة السينمائية، لكن إتضح فيما بعد تعامله السطحي في هذه الجزئية بالتحديد، فلم يكن هناك مساحةٍ كافية لشخصية “شارون تيت” كي تترك أثرها علي القصة برغم من الحيوية الكبيرة التي تمتعت بها الحسناء “مارجو روبي” في لعب الدور.

 

النظريات تتلاحق وقد يشوبُها الصواب أو الخطأ، فمنا من سيعتقد بأن “تارنتينو” يصور البراءة التي تتحلي بها “تيت” وحبها للمرح والسرور بجانب شغفها الدائم بالسينما والشهرة التي تنتج من ورائها ،في لم تستحق ما حدث لها والمصير الشنيع الذي أنهي حياتها وهي في ريعان الشباب.

 

التفسير الأخر يتجلي في صورة الفتاة التي تمثل نموذجاً مثالياً لسيدات”هوليوود” التي يهيم بها “تارنتينو” حتي النخاع، وتلك النظرية ربما تكون أدق من سابقتها معززةً بخلو الفيلم من كافة ما يخص القصة الكاملة ل”تشارلز مانسن” عكس ما تم ترديده في وسائل الإعلان عن نية “تارنتينو” تناول كافة ما يتعلق بهذا الشأن ولكن بأسلوبٍ سينمائيٍ خالص.

 

كان من الممكن أن يُعطي أبعاداً إضافية للتفاصيل الخاصة بعائلة “تشارلز مانسون” من حيث الإكثار من وجودهم حول “ريك ” و”كليف” ودمج ذلك الثنائي بالحدث الأساسي التي راحت ضحيته “شارون تيت” في الحقيقة كي يتكون علي أثر ذلك مشهداً ملحمياً تتباين جوانبه بين الواقع والخيال، لكن “تارنتينو” إعتمد علي السابقة الحقيقية كإحدي عنواين الفترة الزمنية التي يحكي من خلالها بعضاً من لمحات تاريخ “هوليوود” القديم التي تخللته تلك الكارثة المأساوية.

 

لذلك، ستظل حظوظ “تارنتنيو” في اللحاق بركب المرشحين لجوائز الأوسكار علي مستوي السيناريو الأصلي محل شك حتي تتقلص عدد الأفلام المشاركة بموسم الجوائز ذات القيمة الفنية العالية، وليست فرصه هو فحسب ،بل الفيلم ككل الذي يندر عن سابقيه في كمالية العناصر السينمائية خصوصاً مع إحتمالية تزاحم الموسم بالعديد من الأعمال التي قد تحمل مفاجأتٍ سارة للجميع قد تتفوق علي “Once Upon A Time In Hollywood” ويرتفع سقف توقعات نجاحها متخطيةٍ أخر أعمال “كوينيتن تارنتنيو” الذي ينشد هو الأخر الدخول ضمن دائرة ترشيحات موسم 2019  بعد غيابه عنها بفيلمه السابق “The Hateful eight“.

اسامة سعيد

كاتب وناقد سينمائى بموقع بيهايند وطبيب بشرى، محب للفن بشكل عام والسينما بشكل خاص.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock