مراجعات افلاممقالات

فيلم Joker .. لكل ظالم نهاية ولكل جوكر بداية مع نهاية الظالم

تنبيه: هناك حرق بسيط لبعض الأحداث

ضحكة هستيرية لا ارادية تُخفي خلفها الشعور الحقيقي .. حياة مأساوية، نفس مهمومة، جسد نحيف، ظهر منحني .. حلم قُتل في مجتمع مسموم .. مهمش تُرك بلا عناية كالقمامة .. أخطأ نيوتن عندما قال لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار، فعندما يتوالي الظلم والإضطهاد يفقد الإنسان كل شيء حتي شعوره بالألم ولا يبقي لديه شيء يخسره ومن هنا يُولد جوكر ليس كأي جوكر سابق، الجوكر في ظهوره الأجمل علي الإطلاق ليس مجرد شخص مختل عقلياً عبثي مدمر .. الجوكر أصبح شخص منا وتحول سوف ينسلخ منا جميعاً في يوم من الأيام .. فلا تستغربوا إذا لقيتم بلدة كلها جوكر .. فلكل ظالم نهاية ولكل جوكر بداية مع نهاية الظالم.

 

تعودنا دائماً الحكم علي ما يحدث في جوثام من منظور باتمان باعتباره المطهر والمنقذ والمحارب، ولكن هل حقاً المجرمون هم الأشرار والمذنبين الحقيقيين؟ وما أسباب تفشي الجريمة والشغب بهذا الشكل المخيف في جوثام؟ وهل تحتاج المدينة إلي مطهر من علية القوم أم معاقباً من ثنياها؟ إجابة تود فيليبس كانت قاطعة لا جريمة بدون أسباب إجتماعية، ومع زيادة ظلم واضطهاد وتهميش الطبقة الفقيرة كان لابد من ظهور معاقب يلهم المهمشين ويذيق النظام من نفس الكأس، ولا يوجد أجمل من الجوكر كمعاقب لهم رمز الفوضي والدمار، وهنا كانت عبقرية تود فيليبس لتوجيه ضربة قوية وقاضية للنظام، فبينما كانوا يدخلون ليشاهدوا ماضي ونشأة شخصية الجوكر الشهيرة وجدوا أنفسهم صانعيه، ولا يوجد أجمل من هذه ضربة وتمنيت لو أستطيع مشاهدة ردة فعلهم وصدمتهم تجاه مشاهدتهم لنهايتهم المستقبلية التي ستحدث حتماً عاجلاً أو أجلاً، جثة ملقاة في ممر ضيق وسط أكوام من القمامة.

قدم تود دراسة عظيمة لشخصية آرثر فليك والتغيرات التي تطرأ عليها لحين اكتمال التحول وظهور الجوكر، والأجمل أن هذا البناء كان يتم ببطيء وبالتدريج فلم يحدث حدث مفاجيء مثلاً جعل آرثر يتحول إلي الجوكر مباشرةً، بل مع كل موقف سواء كان فشل أو ظلم أو إعتداء كان آرثر يرسم جزءاً من قناع الجوكر، كأنك تستمع إلي معزوفة لهانز زيمر حيث تبدأ بإيقاع منخفض وهاديء ثم تبدأ في العلو تدريجيا حتي تصل إلي أوجها وتنتابك القشعريرة من فرط القوة والجمال، هذا هو الوصف الأمثل لواحد من أعظم التحولات في تاريخ السينما.

بدأ الفيلم بتوضيح جوانب شخصية آرثر باستخدام اللقطات الواسعة لعكس حالة التهميش والوحدة التي يعاني منها، كما أبرزت هذه اللقطات البيئة التي يعيش فيها شوارع ضيقة مليئة بالقمامة ومباني مهترئة وعززت الألوان والإضاءة من كآبة وسوداية مدينة جوثام، آرثر شخص ضعيف لا يستطيع الدفاع عن نفسه يعاني من مرض عصبي يجعله يدخل في نوبات ضحك هستيرية لا يستطيع التحكم فيها عندما يتعرض للظلم والإضطهاد، فلا يكفي أنه يتعرض يومياً للإعتداء ولا يحبه أحد لأنهم يظنونه غريب الأطوار ومسخ بل حتي لا يستطيع التعبير عن معاناته وشعوره الحقيقي أي عذاب هذا!، وعلي الرغم من كل ذلك إلا أنه ما زال يري الجمال في نفوس الناس ويحلم بأن يصير كوميديان مشهور حتي يرسم الضحكة علي وجوههم لأن هذه رسالته في الحياة، ولكنه لم يكن يعلم أن الإبتسامة سترسم علي وجوههم سخرية منه ومن حالته، لم يكن يعلم أن المجتمع سوف يصنع منه وحشاً، ولكن رد الفعل كان لابد من الحدوث، قد آن للكبت أن ينفجر .. قد آن للجوكر أن يظهر .. قد آن للثورة أن تحدث .. قد آن للفوضي أن تنشب .. آرثر الآن جوكر وله وجود للمرة الأولي في حياته وأصبح الناس يلاحظونه عندما دافع عن نفسه، ليدرك الآن بأن حياته لم تكن مأساوية كما يظن بل كانت كوميدية، تود الآن جاهز لإستخدام الوحش الذي صنعه المجتمع في شن هجوماً ضارياً علي النظام بمؤسساته، فنجد السياسين ينظرون إلي هذه الطبقة علي أنهم قمامة ومهرجين ويقطعون عنهم الخدمات التي هي أبسط حقوقهم، أما الإعلام فبدلاً من أن يكون مرآتهم وينقل مشاكلهم ويضغط علي النظام مشغول بالتفاهات وإلهاء الشعب عن الواقع المأساوي، لتنشب الثورة أخيراً بعبثيتها وفوضتها ونيرانها التي ستطول كل ظالم ومستبد، وتبدأ سلسلة من الأحداث العنيفة الصادمة التي ستنتهي بمشهد جليل ستنتابك القشعريرة والحماسة بداخلك من فرط عظمته.

الأحداث كلها تُنقل من منظور آرثر فقط واستغل تود اضطرابه في مزج الحقيقة بالخيال لتشتيت المشاهد والعبث بعقله وتوجيه الصدمات والإلتواءات الواحدة تلو الأخري، كما استخدم الخيالات في إظهار الجانب الإنساني من آرثر، فقد كان يحتاج إلي الحب الأبوي فتخيل الإعلامي موراي فرنكلين مثله الأعلي يرحب به في برنامجه ويخبره بأنه يتمني لو لديه ابن مثله، يحتاج إلي حبيبة فتخيل نفسه في علاقة مع جارته، كما أن لديه حلم مثلنا أن يصبح كوميديان، لتكون هذه هي المرة الأولي التي نتعاطف فيها مع شخصية الجوكر ونرتبط به عكس الشخصيات السابقة مجرد إعجاب بالشكل الخارجي والتصرفات الغير متوقعة والضحكة المجنونة والفلسفة فقط.

مهما حاولتم إقناعي بأن خواكين فينيكس بشرياً لن أصدقكم، خواكين ليس طبيعياً علي الإطلاق حتي الآن عقلي لا يستطيع استيعاب ما رأته عيني، خواكين أفضل ممثل شاهدته علي الإطلاق يستخدم تعبيرات وجهه، فهو يستطيع إبراز العديد من المشاعر المختلفة بنفس الريأكشن والأدهي هو تنقله السلس والسريع بين العديد من المشاعر في فترة ذمنية قصيرة، ذوبان كامل في شخصية آرثر فليك وتنقل بكل براعة بين مراحل تحول الشخصية كأنه يرقص التانغو، في البداية يوصل إليك معاناة آرثر وإحساس بالضعف والإنكسار ويجعلك تتعاطف معه ثم ينفرد ظهر آرثر شيئاً فشيئاً ويبدأ المكياج في الإكتمال وتتحول كل مشاعر الخوف والضعف إلي قوة مخيفة ومرعبة معلنةً عن ظهور الجوكر، خواكين فعل بالأكاديمية ما فعله بجوثام حيث سيصبح موقفها حرجاً للغاية في حالة عدم إعطاء الأوسكار له بسبب محتوي الفيلم، الأكاديمية التي بدأت تفقد نزاهتها سنة بعد سنة سوف تتلقي رصاصة في الرأس من خواكين وتُكتب نهايتها.

تود كان يعلم جيداً بأنه يمتلك ورقة ذهبية بل ورقة ماسية، لذلك وضع الكاميرا علي وجه خواكين في معظم المشاهد وجعله يتكفل بالباقي، ولكن ذلك لم يمنع تود من الإبداع وخروج التصوير بشكل جميل للغاية ومبتكر، فلا يمكن تخيل الفيلم بدون المواقع والديكورات التي صورت لنا الجانب المظلم من جوثام وذكرتنا بأفلام سكورسيزي الخالدة، ولا يمكن تخيل الصورة بدون تدرجات الألوان الباهتة المختارة بعناية لإضفاء حالة من الحزن والكآبة، ولا يمكن تخيل مشاهد الجوكر بدون زوايا التصوير المختلفة والموسيقي العظيمة التي اندمجت مع تعبيرات خواكين لتخرج مشاهد مخيفة غاية في الرعب، ولولا المشاهد الجريئة العنيفة المصممة بعناية لفقد الفيلم الكثير من قوته، كل شيء مصمم بعناية ولا يمكن تخيل الفيلم إلا بهذا الشكل.

محمد عرفان (Arf Ofy)

السينما هى كيفية أن تعيش أكثر من حياة .. حياة جديدة مع كل فيلم تشاهده .. وهدفي هو ترشيح أفلام جيدة ومختلفة تحترم عقليتك كمشاهد .. وتسحبك معها إلي عالمها المليء بالسحر والأفكار والمشاعر كي تعيش تجربة لا تُنسي تنغمس فيها بكل حواسك.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock