مراجعات افلام

مراجعة فيلم Hobbs & Shaw – سجال تشوبه اللامنطقية

سبعة عشر عاماً لمعت من خلالها سلسلة أفلام “The Fast and The Furious” بإصداراتها الثمانية وتمكنت من بناء قاعدتها الجماهيرية تدريجياً مع توالي نجاحها علي مستوي شباك التذاكر الأمريكي ووصولها لتخطي حاجز المليار دولار أمريكي، وذلك ينبع من التيمة الأساسية لتلك النوعية من الأفلام التي تنشق من عالم سباقات السيارات مصبوغاً بنكهاتٍ من الأكشن في إطار تشويقي يهدف للمتعة في المقام الاول بعيداً عن الهرس في الحبكة بتفاصيلٍ زائدة عن اللزوم ، والتي تفصل المشاهد عن الإستمتاع بتسلسلاتٍ من المعارك الضارية علي متن سيارات السباق المختلفة بالرغم من إسقاطات القصة وفراغتها الممتلئة بحشوٍ من الأحداث بلا فائدة ترجي منها لا تعصم العمل من الوقوع في كمٍ من الخطاء الواضحة رؤية العين.

 

لكن الوقت قد حان لتجميد خط الأحداث الرئيسي الخاص بالسلسلة وتجربة أنماطٍ معاكسة لما كان يعرف عنها سابقاً خوفاً من عزوف الأنصار عن التوجه للصالات نتيجة الخوف من عدم الإتيان بفكرةٍ جديدة قد تضيف للسلسلة شيئاً ما يتابين عن سابقيها، ومن هنا جائت فكرة “Hobbs and Shaw” الذي من خلاله تحولت السلسلة من مجرد نافذة عرضٍ لا يجول في سباقات الشوارع لسجالٍ شرس يدخل أبواب عالم القوي الخارقة بحبكةٍ تخلو من أي منطقٍ كما هو متعارف علي أعمال السلسلة.

 

مراجعة فيلم Hobbs & Shaw

القائمين علي صناعة الفيلم طوقوا إسمين كبيرين أثبتا وجودهما في السلسلة منذ ظهورهما في الأجزاء الثلاث أو الأربع الأخيرة وأدرجتهما ضمن طاقم العمل ذو الأسماء الرنانة صاحبة الوزن الثقيل في السينما التجارية حالياً ، “دواين جونسون” أو “The Rock” الذي يحتل مكانة غير متوقعة في هوليوود بكونه النجم الأعلي أجراً في الوقت الحالي يصاحبه نجم الأكشن ذو اللكنة البريطانية “جيسون ستاتام” الذي يبصم ببراعته القتالية وحركية جسده العتيد علي كونه من أبرز نجوم الفئة الذين يكتسون بكل ما أوتي من مهاراتٍ منوعة قوة للظفر بتفاعل الجماهير لمجهوداتهم.

 

مهووسي السلسلة يعرفون بالطبع مدي عدم الوفاق الذي يجمع هذا الثنائي خصوصاً في الجزء السابع والثامن،فهناك حسٍ واضح من الإختلاف الفكري والدنيوي بين رجلٍ يحارب للقضاء علي الجريمة وآخرٍ إرتكب أفعالاٍ شنيعة يحاول التوبة عنها رغم نبضات قلبه التي لا زالت ئتمتل ببقايا الغل والقسوة، مما يجعلها عنصراً رئيساً لنجاح التجربة الجديدة مصاغة في قالب متوازن بين الأكشن تارةٍ والكوميديا تارةٍ أخري،ونتج عنه لاحقاً تناغم جميلٍ وذكي بينهما خصوصاً مع تطورات شخصية “ديكارد شو” التي كانت إحدي مسننات الشر تناضل لنصرة لأفكارها الشيطانية قبل أن يمثل لجانب الخير ويدع الضلال من علي كاهله مرةً واحدةً وإلي الأبد.

 

وقد كان لصناعه ما أراد نسبياً، لأن القصة هذه المرة تشوبها اللامنطقية بغزارة وتطغي بثغراتها علي الأحداث كطبقات الزيوت المهدرجة في الوجبات السريعة، لكن ربما كان للأكشن فعاليته في مصالحة الجمهور كالعادة ومحو الأثار السلبية التي تخلفها القصة كل مرة،وخصوصاً ان من يقوم بتصميم الخدع والمطارادات هذه المرة هو مخرج صاعدٍ وواعد يدعي “ديفيد ليتش” الذي يدين له الجميع بالفضل عن ظهور شخصية “جون ويك” للنوربجانب مساهماته الناجحة في أفلام مثل “Deadpool 2” و “Atomic Blonde” بصحبة النجمة الجميلة “تشارليز ثيرون” التي تشارك هيا الأخري بسلسلة “The Fast and The Furious”.

قصة فيلم Hobbs & Shaw هذه المرة تنطلق من عند “هاتتي شو” شقيقة “ديكارد شو” التي أثارت المتاعب عقب نشلها لفيروس يمحي البشرية بأكملها من أنياب شرير محسن جينياً يُدعي “بريكستون” يلقب نفسه بال”سوبرمان” ،ويتزعم بأنه الصدمة اللازمة لهذا النظام وتغيرها التطوري البشري، مما يتوجب علي “ديكارد” أن يتحد رغماً عنه مع العميل “لوك هوبز” من أجل رد أفعال “بريكستون” وإنقاذ هاتي من براثن ذلك المتحول البشري الساعي لتصفية البشرية لأغراضٍ خبيثة.

 

قد يخال للبعض ما أبسط ذلك التسلسل القصصي البسيط، لكن علي غرار الأفلام السابقة الحبكة إن لم يتم تناولها ببساطةٍ  ستطولها أياديٍ عابثة تهدر الفكرة بقالبٍ تتناثر من خلاله الأحداث بقدرٍ عارم من المبالغات التي تتجاوز حد المنطق ،وتؤرق حينها المتابعة بالسؤال المتكرر عن مسببات حدوث كذا وكذا، لكن ربما بات عدداً لا بأس به من الجمهور واعياً للدروس السابقة وصار ينأي يمخيلته عن تلك العيوب الجلية في إنتظار ما يمكن أن العناصر الأخري أن تساهم به في سبيل مساندة التجربة من أجل عيون الأنصار وغيرهم.

طاقم فيلم Hobbs & Shaw

إحدي رهانات الفيلم التي ثبُتت نجاحها فعلياً بجانب الأكشن المتفجر به كانت طاقمه التمثيلي المُحمل بزخمٍ هائلٍ من الكاريزما التي تلفت الإنتباه بشدة، وذلك قد يعزز تفوق مسؤولي شركة “Universal” في منح الثقة لشخصيتين ثانويتين في السلسلة كي يحملا علي عاتقهما مسؤولية توجيه الفيلم ببوصلة سحرهما الفطري الذان يتمتعان به نحو نجاحٍ جماهيري  في المقام الاول.

فمشاهدة الثنائي يتبادلا الإهانات ويتنازعا علي كل كبيرةٍ وصغيرة تعزز إمكانية بزوغ الشخصيات ولو بقليلٍ من الوهج اللازم علي حساب الحبكة بأفلام الأكشن المختلفة ،شريطة إختيار من يصلح لتقلد تلك النوعية من الأدوار، وذلك ينطبق جلياً علي “الروك” و”ستاتام” الذان برقا أيضاً في الشق الكوميدي وساهما في إنتزاع بعض ضحكات الجمهور نظير نزاعتهما المستمرة المبنية علي الإختلاف في كل شئ.

 

“فانيسا كيربي” تعتبر إضافة مذهلة للفيلم،حينما يمتزج برود الإنجليز بقوة الإرادة تخفيهما ملامحٍ فائقة الجمال ستنتج عنه تلك الأنثي الشقراء التي تدق الأعناق وتصارع الجميع بلا تردد، فهي “هاتتي شو” المثالية بصرامتها العنيدة وقسوة أناملها المفترسة لطريقها بجانب كونها تشبه شقيقها “ديكارد” شكلاً وموضوعاً حيث تجمعها رابطةٍ أقوي من الدم أساسها القوة وعتادها القدرة المتناهية.

 

وكذلك الحال ل”إدريس إلبا” الذي صار بطاقةٍ رابحة للمخرجين ممن تصيبهم الحيرة في البحث عن من يمكنه إعطاء الوزن المناسب لأية فريقٍ تمثيلي بمختلف الفئات السينمائية، جاذبيته وحضوره الطاغي كفيلة بإدراجه ضمن قائمة نجوم الصف الأول عقب المسيرة الناجحة التي يتمتع بها حالياً، فهو قادر علي تلبية متطلبات الدور مهما بلغت صعوبته سؤاء أكان صغيراً أم كبيراً، علي جانب الخير أو رمزاً للشر المطلق، خصوصاً في الشق الأخير الذي رصدنا من خلاله “إدريس إلبا” كما لم نشاهده من قبل.

 

لكن الرهان الحقيقي كان في تنفيذ كافة مفارقات الأكشن كي يحظي الفيلم بنصيب الأسد من المتعة المهداة للجمهور علي طبقٍ من نار هذه المرة، خليطٍ صاخب بين مطارداتٍ برية وأخري جوية ،مواجهاتٍ ضارية بإستخدام الأسلحة النارية، إشتباكاتٍ حامية الوطيس بالأيادي، كل ذلك كان يجمع صفتين متماثلتين شغلتا حيزاً كبيراً من رؤية المخرج “دايفيد ليتش” وهما “الجودة والإتقان”، ولمن لا يعرف “دافيد ليتش” فهو أحد رواد صناعة الأكشن في السينما الأمريكية في الآونة الأخيرة، نظراً لكونه يعمل في الأصل “منسق خدع” و”دوبلير” للعديد من النجوم.

 

فذلك يعزز تأثير حرفته السابقة علي عمله الحالي كمخرج تخلق امامه العديد من التوجهات التي من خلالها ينبثق من خلالها الأفكار المناسبة التي تهدف لتجربةٍ حركية قائمة علي أفكارٍ محددة تلوح معالم التجدد فيها مع مرور التسلسلات تتابعاً خلال الوقت الزمني المحدد للعمل.

فيلم Hobbs & Shaw قدم مردوداً مقنعاً علي مستوي الأكشن يعلو فوق مبالغات الحبكة ويهدئ من حدة فجواتها الغائرة ،يقوده إثنان من أكثر الرجال إغراءاً ممسكين بدفته نحو الرسو علي أفضل صورةٍ ممكنة بتوجيهاتٍ من مخرجٍ ذاع صيته في العنصر الحركي، لا يحتاج سوي لجمهورٍ هادئٍ يقلص خلايا عقله ويبدد صرخاته النقدية حتي يسمتع بالتجربة بصحبة حوضٍ هائل من الفشار المملح ثم يعود بعدها لقواعده سالماً ويبدي آرائه كما يحلو له ويطيب.

اسامة سعيد

كاتب وناقد سينمائى بموقع بيهايند وطبيب بشرى، محب للفن بشكل عام والسينما بشكل خاص.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock