مراجعات افلام

توم هانكس لا يزال يواصل الإبداع … مراجعة فيلم Greyhound

قُبيل تسليمه جائزة “سيسيل بي ديميل” التقديرية بحفل الجولدن جلوب المنقضي، نعتت النجمة “تشارليز ثيرون” القدير “توم هانكس” بجملة قصيرة في الكلمات ولكنها بليغة في المعنى :”أنه يعمل علي جعل العالم مكاناً جيدا”، وهي حقيقة بررها الزمن الذي شَهد رصيداً هائلاً من الإنجازات والأعمال الفنية يؤشر كليتاً علي قيمة “توم هانكس” في “هوليوود”، بل يكاد يكون ملكها المتوج الذي ينشر البهجة والسعادة على قلوب محبيه ويعي تماماً بما يحبون أن يرون فيه نجمهم البارع بما تحويه الكلمة من معني.

إن التنوع هو عنوان مسيرة “توم هانكس”، لم يفت عليه الوقت وهو متشبث بتيمة واحدة وبتشكيلة ثابتة من الأدوار والشخصيات، عَشق كل أنواع السينما وتوغل خلالهم كالسهم الذي يصيب هدفه ويحقق غايته، تارةً تجده خفيف الظل وكوميدياناً يمتلك المفاتيح الصحيحة لإنتزاع ضحكات المشاهدين، وتارةً يتمايل بكل انسيابية مع الطابع المتأصل لأدوار الدراما مهما بلغت صعوبتها، وتارةً نجده يقظاً متفتح الذهن يسعي بجهدٍ للنجاة والخروج من المآزٍق كما في أفلام الحركة القليلة التي شارك بها في السنوات الماضية.

Best Tom Hanks Movies of the Past 30 Years, Ranked - Metacritic

النقطة الأخيرة خصوصاً سجل فيها “توم هانكس” واحدة من أهم علاماته السينمائية التي لا تخلو أية قائمة لأهم الأفلام علي مر التاريخ منها وهي “Saving Private Ryan“،والذي خطأ من خلالها إلي عالم الحروب والصراعات الحامية التي تفسح الطريق سينمائياً لبروزٍ أكبر على مستوى التجسيد، وتحدياتٍ صعبة قد تصعد بمجتازها إلي سلم النجاح رافعةً أسهمه في الصناعة الهوليودية عدة درجاتٍ فارقة.

فيلم Greyhound
فيلم Greyhound

لذا ينتهز “توم هانكس” الفرصة ويعود من جديد إلي معتركٍ شكل أحد أهم نجاحاته في السابق، ولكن هذه المرة ليست بصحبة المخرج “ستيفن سبيلبرج”، بل بالمشاركة مع “أرون شنايدر” الذي غاب للمفارقة عن صناعة الأفلام قرابة الأحد عشر عاماً، فهي بمثابة عودة ثنائية في مشروعٍ حربي من قلب الأحداث العصيبة التي دارت وقت الحرب العالمية الثانية وعلي متن سفينة عملاقة تدعي “Greyhound”.

فيلم Greyhound
فيلم Greyhound

مراجعة فيلم Greyhound

فيلم Greyhound تدور أحداثه مطلع الأربعينات عن كابتن “إيرنيست كلاوس” الذي يقود لأول مرة قافلة للحلفاء عبر المحيط الأطلنطي خلال فترة الحرب العالمية الثانية، إلا أنه يجد نفسه متورطاً فيما يعرف بكونها أطول وأعقد معركة بحرية عرفها التاريخ وهي “معركة الأطلسي” التي شهدت سجالاً حامي الوطيس ضد غواصات “U-Boats” النازية.

فيلم Greyhound
فيلم Greyhound
فيلم Greyhound
فيلم Greyhound

يرتكز سيناريو الفيلم الذي كتبه النجم “توم هانكس” أيضاَ على التيمة التي اعتمدها المخرج “كريستوفر نولان” من قبل بفيلمه “Dunkirk”، ألا وهي التركيز على وصف حدثٍ تاريخيٍ ما وإدراك كافة تفاصيله المتعلقة بمظاهر الصراع بين أطرافه دون تعريفٍ للشخصيات أو خلفياتها السابقة، وذلك منطقيٍ داخل هذا الأطار الذي يتشكل كليتاًً داخل مساحة محدودة من الوقت لا تتعدى الساعتين نهائياً.

اقوي و اهم افلام الوحوش بهوليوود

لذا كان علي “هانكس” أن يدرك وجوبية التخطيط المثالي لتفاصيل الحدث خطوة بخطوة من أجل توصيفه بصورةٍ واضحة للمشاهد الذي يتسائل عما إن كان “هانكس” بمقدوره صناعة فيلمٍ من منظوره الخاص أو لا، وهو ما نجح فيه بالفعل علي عكس كافة التوقعات، حيث أنه فاجأ الجميع برؤية شافية ووافية لمعركة “الأطلسي” وما صاحبها من شدٍ وجذب مع العدو الألماني وإنتصاراتٍ وخسارات ولحظاتٍ عصيبة إحتياجات لتصرفٍ حاسم من شخصية “إيرني” في الوقت المناسب.

فيلم Greyhound
فيلم Greyhound
فيلم Greyhound
فيلم Greyhound

حتي علي المستوي الحواري، برغم صعوبته وكونه نابع من لغة البحارة وتعاملهم بلغة الملاحة البحرية إلا أنه يثير الإعجاب ويخلق حالة من التفاعل مع الأحداث والترقب لنجاح قافلة “Greyhound” في النجاة من أفخاخ الذئاب النازيين، لذا ينسب نجاح الفيلم في المقام الأول ل”توم هانكس” المؤلف الذي عرف إحتواء فيلمه داخل نطاقٍ زمني محدود يوفي بكل ما يحتاجه المشاهد لمعايشة الحدث بصحبة طاقم كابتن “إيرني” والتمتع أيضاً بتجربة جديدة من نوعية أفلام الحروب التي تمتلك شريحة عريضة من الجماهير المحبة لها.

فيلم Greyhound
فيلم Greyhound

إخراجياً، ينجح “أرون شنايدر” في تصميم مشاهد المعارك علي أسسٍ بصرية جيدة، حيث تم إستخدام التكنولوجيا بالتحديد تقنية “CGI” في جعل اللقطات كما لو كانت تحدث بصورةٍ طبيعية تخلو من أية مؤثرٍ خارجي، كما هو الحال بالنسبة للتصوير من حيث إختيار الزوايا التي تظهر الحركة من أعلي عن طريق طائرات “”Drones وتعرض حالة السفينة أثناء الدوران والفرار من الهجمات المضادة من غواصات “U-boats”، ونظيرتها التي تقرب المشاهد من كابتن “إيرني” أثناء تحركاته وإصداره الأوامر للطاقم المساعد له، كل ذلك يبرهن علي عودة مثالية ل”أرون شنايدر” وبعقلية مدركة للشكل النهائي الأنسب للفيلم.

“توم هانكس” موفقٌ كعادته ودون أية عناءٍ في التجسيد، نجح في عكس أبعاد الشخصية من حيث الجدية والتعامل السريع مع الظروف المحيطة به، وإرتجال الانفعالات المناسبة من إرتياحٍ عقب نجاح خطته في رد هجمات العدو وإنكسارٍ ساعة خسارة البعض من أفراض طاقم السفينة، أداءٌ هادئ بكل بساطة لغوية لم يحتاج فيه “هانكس” لبذل المجهود المضاعف علي عكس “Saving Private Ryan”، ولكن ذلك لا يمثل كنقطة سلبية له، بل إنه من المحبب ظهور”هانكس” من جديد في فيلم حربي ولكن في دورٍ مناسبٍ لعمره حيث يمكنه أن يبدع فيه ويرضي من خلاله جماهيره المحبة.

في الختام، ربما كان يفضل مشاهدة فيلم “Greyhound” في صالات السينما خصوصاً تلك التي تعرض الأفلام بتقنية “IMAX” نظراً للزخم الحركي الذي يتمتع به الفيلم والملئ بتسلسلات معاركٍ حربية تم تنفيذها بعناية فائقة، لكن شركة “سوني” راهنت علي نجاح الفيلم علي منصة “Apple” وتلقيه لنسب مشاهدةٍ عالية نظراً لكونه من بطولة أحد أهم نجوم “هوليوود” إن لم يكن أهمهم حالياً، فكانت النتيجة مرضية إلي حدٍ كبير وتضيف بدورها الفيلم إلي قائمة مطولة من أفلام الحروب التي لاقت رواجاً كبيراً بين الجماهير علي مدار السنوات الماضية.

اسامة سعيد

كاتب وناقد سينمائى بموقع بيهايند وطبيب بشرى، محب للفن بشكل عام والسينما بشكل خاص.

ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock