مراجعات افلاممقالات

فيلم Cleo from 5 to 7 .. الحياة لا تحتاج مزيداً من التشاؤم فهي سوداء بما فيه الكفاية

هناك حرق لبعض الأحداث

ما فائدة نظارة الشمس السوداء إذا كانت ستجعل نظرتي تشاؤمية للحياة بدلاً من حمايتي من الشمس .. ما فائدة الحلم إذا كان الموت قادم من أجلي؟! .. ما قيمة الأغاني إذا كان وجودي مهدد؟! .. ما فائدة المرآة إذا كانت ستعكس إنكساري وخوفي بدلاً من جمالي؟! .. ما فائدة الجمال إذا كان القبح سيزحف إليه؟! .. إذا كان جسدي سيطمره التراب! .. ما فائدة الحب إذا لم يعاملني كطفلة مدللة؟! .. إذا لم يجد وقت من أجلي! .. ما فائدة الحياة إذا كانت ستفارقني؟!

يرصد الفيلم ساعتين من حياة كليو بدءاً من زيادة قارئة الأوراق مخاوفها حيث أظهرت الأوراق إصابتها بمرض السرطان إلي موعد النتيجة النهائية للفحص الطبي، انتظار .. انتظار .. كم الوقت الآن؟ .. والآن كم؟ .. ساعتان تبدو فترة قصيرة كالساعات العديدة العابرة التي نضيعها ولكن الإنتظار والخوف جعلاها دهر كامل .. الخوف الذي لم يفعل شيء سوي قتلها عدة مرات.

كليو فتاة نرجسية ولا ألومها علي ذلك فجمالها ساحر .. تحب النظر إلي المرآة أو ربما المرآة هي التي تحب أن تنظر إليها كليو .. كل الأشياء سواء كانت فساتين أو قبعات أو باروكات تلائمها وتزداد جمالاً وأناقة عندما ترتديها .. عندما تسير في الشارع تلتفت أنظار الرجال إليها ويتمنون لو تقبل أن يقدموا لها مشروباً .. في البداية عندما تلقت الخبر حاولت التماسك والنظر إلي المرآة ومغازلة نفسها فطالما هي جميلة كانت حية أكثر من غيرها .. فلطالما كانت المرايا عالمها وجمالها ثقتها .. ولكن الخوف تسلل بسهولة إلي عالمها الزجاجي محطماً إياه إلي قطع، وسيطر المرض والموت تماماً علي تفكيرها مخلخلاً ثقتها .. وأصبحت تظن أن وجهها يشبه الدمية وأنها كانت تتوهم أن الناس ينظرون إليها أثناء سيرها بينما هي فقط تنظر إلي نفسها.

في اللحظة التي تكتشف أن الموت قريب منك ووجودك مهدد يصبح عقلك مشوشاً .. يتجرد كل شيء حولك من قيمته .. تبدأ في النظر مجدداً إلي هذه الأشياء بعين الطفل عند الولادة .. تنظر في وجوه الناس وتحاول استيعاب أفعالهم والمغزي من وجودنا .. المغزي من وجود كل شيء .. تتأمل عالمك الخاص ودائرة الأشخاص المقربة منك .. وتكتشف أنهم كانوا أبعد ما يكون عنك رغم قربهم .. وهو ما اكتشفته كليو أن عالمها فارغ كغرفتها .. لم تجد من يواسيها ويدعمها ويطمئنها ويزيل بعضاً من مخاوفها .. كلهم يدللونها لأنها تحب ذلك ولكنهم لا يهتمون بها فعلاً .. لا يبدون أهمية لقلقها وخوفها .. كل شخص فيهم يتحكم في جزء منها حتي تشكلت هوية مزيفة لها .. هناك ذلك الحبيب الغارق في العمل الذي لا يوفر أي وقت خصيصاً لها وهو يدرك تماماً أنها متاحة دائماً من أجله .. وهناك تلك الخادمة التي تتحكم في تصرفاتها لأسباب غبية مثل لا ترتدي قبعة جديدة يوم الثلاثاء .. وهناك الصديقان اللذان يسخران منها دائماً ويحطان من قدر موهبتها .. يؤلفان أغاني لا تحبها وتراها مزعجة ولكنها تغنيها ربما بدافع القبول عند الآخرين كمثل تصرفاتها السابقة المنافية لإرادتها وشعورها.

ربما للمرض ميزة ايجابية وحيدة وهي التعرية .. حيث تخلع قناعك المزيف أخيراً وتتصرف علي طبيعتك .. تقطع خيوط المظاهر والقبول عند الآخرين التي تتحكم فيك كالعروسة الخشبية .. لا تعد آبه لعيوبك أو رآي الناس فيك أو لأي شيء في هذه الحياة .. وعند هذه اللحظة تحصل علي الحرية والقبول الحقيقي .. قبول الذات .. قبول الناس .. قبول الموت .. كليو أصبحت سعيدة للمرة الأولي، سعادة حقيقية، عندما وجدت هويتها الحقيقة .. عندما بدأت تتخذ قراراتها بنفسها واشترت قبعة الفرو السوداء .. عندما ارتدت الفستان الأسود المناسب لحالتها وشعورها، وقبعتها يوم الثلاثاء، وخلعت بروكتها .. عندما قابلت ذلك الجندي الثرثار المنمق الكلام الذي شعرت معه بالدفء والأمان للمرة الأولي .. الذي شجعها علي الذهاب إلي المستشفي بدلاً من إنتظار الساعة السابعة ينهشها الخوف والقلق كل لحظة .. انتهي الفيلم في تمام الساعة 6.30 وحصل العشيقين علي نصف ساعة قبل الوداع وذهاب الجندي إلي الحرب كما أحب أن أراها .. قد تموت كليو وقد تُشفي .. قد يموت الجندي وقد ينجو .. قد يكون الوداع الأخير أو سيتقابلان مرة ثانية .. ولكنهما في كل الحالات سعيدين قريبين من بعضهما رغم بعدهما.

 

الحياة لا تحتاج مزيداً من التشاؤم فهي سوداء بما فيه الكفاية قالتها آغنيس فاردا صريحة في الربط بين شخصية البطل في الفيلم القصير الصامت الذي كان يُعرض في السينما وكليو، حيث كان يودع البطل حبيبته في حب وسعادة، ولكن الشمس كانت ساطعة ولم يكن يستطيع رؤيتها بوضوح فارتدي نظارته الشمسية السوداء، فإذا بحبيبته ترتدي فستان أسود ولم يستطع إنقاذها من الموت، وبينما كان يخلع نظارته حتي يمسح دموعه حزناً علي فقدان حبيبته يجدها أمامه تودعه وهي ترتدي فستان أبيض، وهذه المرة يستطيع إنقاذها، لقد رأي الدنيا سوداء بسبب نظارته تماماً ككليو التي كانت الحياة تسخر منها، فموعد نتيجة فحصها هو موعد انقلاب الشمس حيث تغادر الشمس برج الجوزاء لتدخل السرطان، عندما تفتح المذياع كل الأخبار عبارة عن حوادث مظاهرات وإصابات ومحاكمات..إلخ، في الكافيه شُغلت إحدي أغانيها ووصفتها إحدي الجالسات علي مقربة منها أن هذه الموسيقي مزعجة وتسبب ضجة، في الشارع رأت أناس يمشون في جنازة فتخيلتها للحظة جنازتها، شعرت بالنفور من سائقة التاكسي بسبب قوتها وشجاعتها بينما هي ضعيفة وجبانة، رأت وظيفة صديقتها مخجلة لأنها ترتدي قناعاً مزيفاً طوال الوقت وتخشي التعري حتي لا تظهر عيوبها، اكتست الحياة سوداً فوق سوادها وازدادت صعوبتها .. اجتمعت كل الأحداث السيئة وأصبح من الصعب رؤية النور .. يجب أن تخلع نظارتك السوداء الآن وتغير نظرتك للحياة .. الحياة لا تحتاج مزيداً من التشاؤم فهي سوداء بما فيه الكفاية.

 

محمد عرفان (Arf Ofy)

السينما هى كيفية أن تعيش أكثر من حياة .. حياة جديدة مع كل فيلم تشاهده .. وهدفي هو ترشيح أفلام جيدة ومختلفة تحترم عقليتك كمشاهد .. وتسحبك معها إلي عالمها المليء بالسحر والأفكار والمشاعر كي تعيش تجربة لا تُنسي تنغمس فيها بكل حواسك.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock