مراجعاتمقالات

البساطة السينمائية في أرق صورها…مراجعة فيلم غزة مونامور

داخل أحضان غزة المحتلة، وفي احدي بقاعها المعتمة الصغيرة،يحتدم الحب في نفسٍ تملكت منها الظروف واشتدت عليها الصعاب، حبُ همس بأنحائها هسيس شعورٍ كان طوقاً للنجاة وأملاً جديداً للخروج من وطأة الوحدة والتغلب على جفاف الحياة ووحشة لياليها الطويلة، هي رحلة تبصر الجميع باهمية الحب،وانه بمثابة الضوء الذي يكشف اسرار الحسن وسط الضياع الشاسع، والنور الذي نرى به ذواتنا في عتمة الظلام الداكن، ونار يستدفئ بها من برودة الوحدة الطاحنة. 

إبهار قصصي وبساطة روائية كانت هدية مثالية من فلسطين الشقيقة لحاضري مهرجان القاهرة السينمائي الدولي تشعرهم بان بالسينما العربية ابداعات فنية تعرف الطريق الى جمهور الفن السابع وتمتلك القدرة اللازمة على توفير المواد المناسبة لأعمال سينمائية جيدة منها ما يستنبط أحداثه من وحي الواقع، ومنها ما يبتدع أصلاً متكامل كليتاً العناصر الفنية.

“طرزان” وعرب ناصر”، لنتذكر هذه الأسماء جيداً، فما قدامه جملةً وتفصيلاً هو فريد من نوعه مقارنة بالأفلام التي تعول علي القضية الفلسطينية كموضوعٌ رئيسي وتميل للتراجيدية كانعكاس علي الألم النفسي والمعنوي والجسدي الذي يلاحق ضحايا الاحتلال الصهيوني الغاشم، “غزة” كما يتصورها الاخوان ناصر” بها من يتراقص علي نغمات “مونامور” ويهيم عشقاً بالجنس الاخر، ويستغل اية فرصة من اجل نيل رضا القدر واقفاً بجانبه، فيمكن القول ان رسالتهم من خلال “غزة مونامور” هي ببساطة “تسلح بالحب تقهر أعتى الظروف”. 

تدور أحداث الفيلم بإحدى قطاعات غزة التي تحكمها حركة “حماس” الفلسطينية عن “عيسى” الرجل المسن الذي يعمل في صيد السمك ويقع في غرام سيدة تدعى “سهام” تعمل في مهنة الخياطة بإحدى المحلات، وبينما يشرع “عيسى” في التقرب من الشهاب وكسب ودها، يصادف في طريقه اكتشافٍ ما قلب حياته رأساً على عقب وعرقل سعيه نحو هدفه المنشود.

على مستوى السيناريو، نجح الأخوة “ناصر” في التمهيد للعلاقة بين “عيسى”  و”سهام” عن طريق تقديم الشخصيات بخطين شبه موازي للأحداث بما يسهل معرفة كل فرد منهم على حدى والاطلاع على طبيعة حياتهم اليائسة التي لا يشوبها سوى الوحدة وعدم استقرار المعيشة، وهناك مقصد من كلمة “شبه موازي”، فهناك نوعان من التلاقي حدث بين الشخصيتين كان غير ناضج في البداية ثم اكتمل في النهاية في صورة جمالية تبرهن على إنتاج الفكرة والرسالة المراد إرسائها.

ما جاء أيضاً في صالح العمل وقابلة مشاهدته هو عدم الاكتراث للخطاب السياسي والخوض أكثر فأكثر في نزاعات السيطرة وتداعيات الاحتلال وأثره على ضحاياه بطريقة بالغة التراجيدية، هناك تلميحات بسيطة بل يمكن القول أن ذلك العنصر على وجه التحديد كان مجرد هامش أو نافذة على مركز الأحداث والأحوال المثيرة للاحتقان التي زادت من طموحات “عيسى” لأخذ قرارات فاصلة لصالح حياته الشخصية، وذلك يعزز ضمنياً ما ذكر مسبقاً أن للفيلم نهجٌ سينمائي خاص به يضاف إلى قائمة الأفلام التي انعشت سينما الواقع بأساليب مختلفة.

تأكيداً على ذلك أيضاً هو تواجد لبعض المقتطفات الكوميدية النابعة من بضعة مواقف تتعرض لها شخصية “عيسى” خصوصاً في منتصف الفيلم، وتم ذلك دون ابتذال أو مبالغة في تقدير الموقف بالنسبة للسيناريو، بل اندرج ذلك ضمن حالة التوازن اللذان فرضاها الاخوة “ناصر” علي قصة الفيلم، حتى في الشق الرومانسي كانت تمتاز هي الأخرى بالبساطة وقتما يشهر “عيسي” مشاعره ل”سهام” تعبيراً عن حبه وعشقه، من تمعن فيما سبق سيدرك ان كلمة “البساطة” تكرر عدة مرات، وهو ما أراد الإخوة “ناصر” ان يعيشه المشاهد شكلاً ومضموناً، وهذا ما حدث بالفعل والنتيجة كانت ايجابية بعديد الإشادات النقدية والجماهيرية.

الثناء لا يستحقه لسيناريو فيلم غزة مونامور فقط فحسب، بل الأداءات التجسيدية التي كانت تحدياتها لم تكن صعبة على الإطلاق على غرار السيناريو وحبكته، النجمة “هيام عباس” كانت تلقي الحوار و ترتجل الانفعالات التعبيرية بأريحية تامة، لم تحتاج للصراخ والبكاء من أجل إظهار الشخصية على الواجهة، “سهام” سيدة بسيطة تعيش تحت طائلة الفقر والديون الطائلة التي لا تنتهي وتزداد عبئاً عليها يوماً بعد يوم يشاء القدر أن يعوضها شقائها بمن بمكانه تملك قلبها، أبسط التفاصيل وأسهلها تدبر من أجل تجسيدها بامتياز، وهذا ما نجحت فيه”هيام عباس” التي يمكن اعتبارها بالفعل نجمة من النجمات ذوي العيار الثقيل.

علي الجانب الاخر، يحظى “سليم الضو” بنفس الرصيد من الموهبة التي تتمتع بها “هيام عباس”، “سليم” الذي يعتبر تقريباً بطل الحكاية من أولها لآخرها كان مثالياً في دور “عيسى” من ناحية محاولة لإظهار تماسك الأخير بالرغم من حياته الروتينية البائسة ومن أجل الاستعداد لمعايشة الحب ولذاته، وخفة الظل احياناً في التعامل مع بعض المواقف التي يصادفها في طريقه، وإظهار هيامه بسهام بطريقة عادية لا منه “روميو” وقيس” وغيرهم من الأساطير الشهيرة.

حتى حينما تطاول عليه أيادي السلطة داخل سياق الفيلم، يتمايل “سليم” مع ردة الفعل للشخصية التي لا تغضب او تفور من شدة ما ألم بها من فظة وتكبر، هو يتسلح بالحب الذي يعتبره دوائه كي لا يشقي وينعم بالسعادة والشفاء من ألم وحدته وهوانه في الدنيا، فتحية ل”سليم الضو” على ما قدمه من تفاني في التجسيد واثباته بأن ثقة الاخوة “ناصر” كانت في محلها.

في الختام، يستحق فيلم غزة مونامور الفرصة من أجل المنافسة على مقاعد الأوسكار الخمسة، ببساطة القصة وبراعة التجسيد بإمكانها أن تأتي في صالح الفيلم وان يحقق حلم العرب بانجازٍ كبير بالترشح للجائزة الاهم في صناعة السينما ورسم بسمة على وجوه الشعب الفلسطيني الذي ينتظر بارقة امل من أجل زوال الغمة التي يعيشون علي صداها حتى وقتنا هذا.

اسامة سعيد

كاتب وناقد سينمائى بموقع بيهايند وطبيب بشرى، محب للفن بشكل عام والسينما بشكل خاص.

ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى