مراجعات افلاممقالات

فيلم ثقافي مأساة مجتمع كامل وتعرية لنظام فاسد

في ماضٍ ليس ببعيد .. في مجتمع انتشر فيه الظلم والفساد وتحولت أبسط حقوق المواطن إلي أحلام .. السكن أصبح حلم .. الوظيفة أصبحت حلم .. الزواج أصبح حلم .. خرج محمد أمين لينبه هذا المواطن الغافل إلي الفاعل والمتسبب الحقيقي في هذه الكارثة وذلك من خلال قصة ثلاث شبان يتعرضون للعديد من المواقف من أجل مشاهدة فيلم ثقافي .. قصة في ظاهرها كوميديا وضحك ولكن فحواها لا يقل سوداوية عن مرثية حلم .. إنها مأساة مجتمع كامل ولكن ماذا تظن من مواطن غافل؟ .. بالظبط استمر في الضحك والسخرية من الثلاث شبان والمفارقات التي يتعرضون لها دون أن ينتبه إلي ما يرمي إليه محمد أمين .. حان الوقت لنضع ضحكاتنا المزعجة جانباً وندقق فيما وراء هذه الكوميديا السوداء حتي ندرك قيمة فيلم ثقافي.

عندما يفشل الفرد في الحصول علي أبسط حقوقه الآدمية وتصبح قيمته أقل من الحيوان هذا هو فيلم ثقافي .. عندما تمتليء القهاوي بالشباب هذا هو فيلم ثقافي .. عندما يعيش الشباب حالة من التشتت بسبب سيطرة النظام لهم عن طريق احتياجاتهم هذا هو فيلم ثقافي .. انه صوت النفس الصارخة التي ترفض الانصات لها .. انه صوت الثورة والتمرد والتغيير التي يحتاجها المجتمع .. أما هاجس الجنس فهو فيلم آخر أنت شاهدته وليس فيلم ثقافي.

يمارس النظام سياسة قذرة تجعل المواطن يقمع نفسه بنفسه وذلك عن طريق حرمانه من احتياجاته فيتحول هذا الحرمان إلي كبت جنسي، فيتحرك المواطن من أجل اشباع هذه الرغبة ويظل في هذه الدائرة حتي يأمن النظام منه تماماً عندما يصل إلي الثلاثينات وتنعدم عنده إرادة التمرد والتغيير، وهو ما يحدث مع الشبان الثلاثة، رغم أنهم في سن العشرينات إلا أنهم مازالوا عاطلين عن العمل ويعيشون مع أهلهم في مكان واحد غير مؤهلين تماماً للزواج مما أدي إلي تولد كبت جنسي لديهم يحاولون إشباعه بكافة الوسائل كالصور والمجلات الجنسية، وفي يوم من الأيام يقع شريط عليه فيلم ثقافي في أيديهم فيسعون بشتي الطرق مشاهدته لدرجة أنني أعتقد أنهم سعوا في مشاهدته أكثر مما سعيت من أجل مستقبلي، قد تبدو في الظاهر رحلة مشاهدة فيلم ثقافي ولكنها رحلة تعرية نظام مجتمع كامل، نظام دمر جيل كامل ومازال سيدمر أجيال لاحقة، ومع كل محاولة فاشلة من الشبان تزداد الرغبة أكثر أكثر مثلما تزداد شراسة الأسد عندما يجوع، فلا يمانعوا أن يذهبوا إلي مبني بجوار المسجد أو إلي الكنيسة حيث جنازة والد صديقهم ويطلبوا منه مفتاح شقته من أجل مشاهدته، وللسخرية الشريط ليس فيلم ثقافي بل هو جلسة مجلس شعب أقوالها منافية تماماً لما يحدث علي أرض الواقع.

دي منظومة مترتبة وأهم حاجة فيها النظام .. النظام يا بهايم .. هم يضعون الإختيارات وأنت من تختار .. قد تظن أنك مخير ولكنك مسير .. أنا أعلم أنك من تختار ولكنك تختار أحد الخيارين اللذان وضعوهما أيها المغفل بما يتناسب مع النظام .. وفي كلا الخيارين قد آمنوا تمردك .. لديك خيارين إما أن تنساق وراء رغبتك وتشاهد ثقافي من أجل إشباعها وتصبح مثل أسامة رجل في الثلاثينات من عمره عاطل عن العمل ترتعش يداه من فرط مشاهدة الأفلام الثقافية رغم أنه خريج كلية علوم تخصص كيمياء بتقدير جيد جدأ، أو تصبح مثل جمال ترفض أن تشاهد هذه الأشياء .. ترفض مشاهدة الدنيا من الخارج وإهانة آدميتك فينتهي بك المطاف مكتئب ومنطوي عن بقية المجتمع.

خلاص مفيش أمل يأما نهين آدميتنا يأما نكتئب وننتحر!! .. لا فيه ويوضح أمين هذا الحل من خلال طارق وحبيبته الشخصين الوحيدين الآدميين في مسرحيته .. تمردوا علي النظام .. رفضوا أن يشاهدوا الدنيا من الخارج .. لم ينتظروا شيئاً من المجتمع .. قاموا بتعليم نفسهم بنفسهم وادخروا من مصروفهم لمدة سنة من أجل شراء كمبيوتر والعمل عليه .. الحل كان أمام الشبان من البداية ولكنهم وجدوا في علاقتهما أمانيهم وليس الحل لمعضلتهم، وعندما نفع هذا الحل أخيراً في نهاية الفيلم وقرروا الثورة والتغيير كان النظام بانتظارهم بشريط جديد يشبه القديم لتبدأ رحلة طحنهم وإغتصابهم من جديد.

Arf Ofy

السينما هى كيفية أن تعيش أكثر من حياة .. حياة جديدة مع كل فيلم تشاهده .. وهدفي هو ترشيح أفلام جيدة ومختلفة تحترم عقليتك كمشاهد .. وتسحبك معها إلي عالمها المليء بالسحر والأفكار والمشاعر كي تعيش تجربة لا تُنسي تنغمس فيها بكل حواسك.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock