مراجعات افلام

مراجعة فيلم الكنز 2 … حكايات من قلب التراث المصري

حيرةٍ بالغة

يزداد إجهاده ببطئٍ

وتقل قدرته علي مقاومة إضطرابه الزائد

هالة غامضة تحيط بمسعاه

نحو فك السر وحل اللغز

لغز الكنز الذي بات شغله الشاغل

لا يعرف مداه ولا ينل من منهله قدر معلومةٍ

تنتعش بها عزيمته لفك شفرات تلك الحجية

التي صار مُضطرا خوض نزالها

نزالٍ حاداٍ ضد الزمن كي يعرف الحقيقة

ويكشف الغطاء عن مصير تلك الغنيمة

المحاطة بغشاءٍ أسوداً وورقياتٍ بالية

تسرد الكثير والكثير بلا دليلٍ واضح

ينهي تلك المعضلة التي تؤرق تفكيره

 هكذا كان “حسن بشر الكتاتني” الذي لم يستطع التنصل من تلك المهمة الصعبة،بل بات أسيراً للفضول الذي يشع منه شيئاً فشئ، يحاول التشبث بذلك الخيط الرفيع من الأمل بعدما تاه عن قدمه السبيل للوصول لنتيجة حاسمة تكشف المجهول وتزيل الغبار عن أصل ذلك الإرث الكبير الذي تركه له والده بعدما تسرب صوته الخشن لداخله من خلال بضعة تسجيلاتٍ يحثه من خلالها علي استكمال تلك المسيرة حتي نهايتها ومعرفة ماهية ذلك الكنز، وهل هو مجرد غنائم من الذهب والياقوت التي لا يُري مثيلها سوي في الأفلام، أم هو أكبر من ذلك ويحمل شئٍ مفاجئاً أعمق من كونه ملموساً وحقيقياً ؟

فيلم الكنز ملحمة سينمائية تعيد السينما المصرية إلي أوج إبداعاتها وحرفية أعمالها الإنتاجية الضخمة التي رسمت خارطة الطريق للصناعة لسنواتٍ وسنوات في القرن الماضي علي وجه التحديد، حينما توافرت كافة السبل والموارد الازمة لصنع فناً راقياً يخلو من الإسفاف يخلد نتاجه بحروفٍ من نور ويكرس القائمين عليه مجهوداتهم الدؤوبة لرواية العديد من الحكاوي التي تحمل عبقاً سينمائياً خالصاً لوجه عشاق السينما بأكملهم، وتحلق خارج السرب بعيداً عن النسك المعتاد تكرارها كل مرة، حيث تطرق الأبواب لتجارب سينمائية تصير علامات مسجلة للسينما الراقية التي تجمع بين المتعة والجدية في آنٍ واحد.

ومن غير “شريف عرفة” حالياً يقدر علي ترديد مثل تلك السيمفونيات الفنية التي لا تحوي سوي قصص محكمة وجذابة يُستعذب شقها الحواري مصحوبةٍ بتجربةٍ بصرية جيدة في ظل الإمكانات المتاحة له، فذلك القيدوم البالغ من العمر 58 عاماً والذي سطر نجاحاتٍ منقطعة النظير منذ تقلده كرسي الإخراج منذ التسعينات قد ترك بصمةٍ بالغة الوضوح علي السينما الحديثة وبات ضلعاً من أضلاع القلة التي تساهم في علو الرقي والرفعة الفنية علي مثيلتها التجارية المدججة بالسطحية تارةٍ والتدني تارةٍ أخري، فهو بات كلمة السر للفن السامي الذي يمشج في محكمه عدة تفاصيلٍ في خليطٍ متجانس لا يفقد قوامه ويحتفظ بإنظباته السردي  وسياقه الإيقاعي علي نحوٍ يضمن كماله وتوراي متلقيه بين جنبات حكابته المراد حكاياتها.

“شريف عرفة” الذي يبدو انه مولعاً بالتاريخ الفرعوني والفولكلور الشعبي والمدنية الحديثة بكل موادهم القصصية التي من الممكن أن يولد من خلالهم حدثاً سينمائياً من العيار الثقيل، ليقدم ذلك الكرنفال الفني التي تضفر تفاصيله بحنكة وخبرة السنين السابقة، وتبحر في قضايا ذات أبعادٍ فلسفية وإجتماعية تتعمق في النفس البشرية وتكشف العديد من مغرياتها كالحب والسلطة والكثير من القيم العابرة بين ثلاثٍ أزمنةٍ مختلفة بهوياتها الحضارية المستقلة.

 التحدي الذي واجه “شريف عرفة” في الجزء الثاني بصحبة المؤلف المحنك “عبدالرحيم كمال” يتمثل في خلق التوازن المناسب بين الإبقاء علي موروثات الإيجابية التي توطنت بالجزء الأول، وإيجاد الشكل الملائم لتسلسلات الحبكة المراد تقديمها كختاماً لتلك الحكاية الطويلة التي امتدت ساعتين إضافيتين عن سابقتها للوصول لنقطة تلاقي الخطوط الثلاثة المختلفة التي ستكشف سر الكنز وتكشف الستار عن الحقيقة المدفونة في رمال صحراء مصر الرملية.

وهذا ما نجح فيه الثنائي حينما تيسرت لهما الظروف لاستثمار نقاط القوة الخاصة بالجزء السابق وتجنبا العديد من مواطن الضعف التي طفت نسبياً علي السطح لا تحتاج لأعينٍ خبيرة لرصد مشكلاتها، ويبلغا سوياً سعيهما نحو إنهاء تلك الرحلة المفعمة بعناصر الإبهار الفني داخل إطاء درامي نابه ولافت للأنظار وسط موجات الفن التجاري التي تعج بغزارة داخل صالات السينما المتنوعة.

القصة هذه المرة خالية من الإسهاب او التطويل الزائد، تمتلئ بالأحداث المناسبة التي لا تشكل زخماً غير ضروري لا يفيد السياق بشئٍ يذكر،و تتقاسم حيز الأهمية بتكافؤٍ واضح علي القصص الثلاثة دون التقليل من وزن أحدهما لحساب الأخر أو ترك المساحة لنشوب مشاعر الإفتقاد لأية قصةٍ نتيجة خفوتها الغير مبرر علي الشاشة.

 

حيث ركز “عبدالرحيم كمال” علي شمول قصصه لمراحل درامية أو ملحمية ذات أهميةٍ علي الإحداث لا تفتقر إلي السطحية أو المبالغة، فنجد أن مشاهد الحب هنا كثيرة لأغراضٍ عدة وكلها تهدف لتعزيز إحدي رسائل الفيلم المحورية: أن الحب هو الشئ الوحيد الذي كلما احتدمت أحوال البشر واشتدت الصعاب عليهم، يبقي هو الحل الذي من الممكن اللجوء إليه وتثور له النفس كي تتشبث بحباله إن فقدت ما يُمكِنها من الحياة متشبعة برغباتها ، كحب “علي الزيبق” ل“زينب” برغم الظلم والإفتراء الواقع عليه من قبل “صلاح الكلبي”.

ليس هذا فحسب، بل حمل السيناريو العديد من الإسقاطات السياسية علي شاكلة الجزء السابق تخص مفهوم السلطة وممارسات متقلديها الذين قد يفعلون أي شئ من أجل الحفاظ علي مناصبهم حتي ولو وصل الأمر بهم لإستعمال العنف ،وتلك إلإسقاطات موضعة لخدمة تلك الرسالة وتم توظيفها ببراعة متجسدة في شخصية “بشر الكتاتني” قائد البوليس السياسي، الذي سرعان ما حول السيناريو دفة الأحداث التي تخصه نتيجة اللمحات الدرامية التي أعطت ذلك الخط القصصي أهمية كبري ضمن السياق السردي يعكس النتائج المترتبة علي إنعاكسات فقدان السلطة وخسارة كل شئ.

وأيضاً تجلي ذلك العنصر عند كهنة الملكة “حتشبسوت” الذين تحركهم الأطماع والفساد الظاهري للقيام بما هو مشين ويعكس نواياهم الشيطانية للظفر بكرسي العرش تحقيقاً لغاياتهم الدنيئة التي تهدف لإزاحة من لا يخدم مصالحهك ويحتكم لإرادة شعبه ويهيئ نفسه لخدمتهم.

 لذا يمكن أن يقال بأن السيناريو ركز علي عنصرٍ ما يشكل حيزاً بالغ الأهمية في الخطوط الثلاثة ونجح في تمريره عبر القصص الثلاثة بإنسيابية تامة تخلد مساعي القصة التي توثق بدورها رسائل هامة وعِبرٍ إنسانية تنوعة كقلما تجد عملاً يضاهيها في توصيل المراد توصيله للجمهور كتلك التي قدمها “شريف عرفة” بصحبة “عبدالرحيم كمال” الذي برع هو الأخر في اللغة الحوارية كساحرٍ يتلاعب بالكلمات يصنع من خلالها جملٍ بليغة تتعلق في الأذهان علي المدي البعيد.

 إخراجياً، تفادي “شريف عرفة” الكثير من أخطاء السابق، كالحد من امتلاء الفيلم بدهون التفاصيل التي كانت تحتاج إلى الكثير من عمليات الإزالة حتي تصبح أكثر رشاقة في رواية قصصه المختلفة والانتقال من زمن لزمن بخفة ودون افتعال، وتقليل تدخلات المونتاج الزائدة عن الازم، وإستخدام المؤثرات بطريقة لا تعكس الديفوهات التقنية بوضوح كمان كان الحال عليه في الجزء السابق.

 وتمكن من تعويض ذلك بمشاهد طويلة تقدم بورتريهات زاهية المنظر يتكرر وجودها مع مرور الأحداث بجانب تحري الدقة في تصميم مشاهد الأشتباكات والديكورات الخاصة بالأزمنة الثلاثة، والإهتمام بزوايا الكاميرا واختيار الكادرات المناسبة للمَشاهد برمتها، في تجربة عامرة بالإنجازات المتعددة التي حتماً ولا بد ستضيف إلي رصيد “شريف عرفة” السينمائي الملئ بالإنجازات الحافلة علي الصعيد الفني والإخراجي.

 بالتأكيد لن تكتمل معالم تلك الحكاية البطولية بمؤلف متمكن ومخرج يعرف ما يتوجب فعله فقط، بل يستلزم تواجد أداة أخري تحظي بأهمية كبري لا يمكن ان يكتمل العمل دون إرتفاع نسب قبولها عند الجمهور وهي بكل تأكيد الأداء التمثيلي الذي يسير علي نفس وتيرة الجزء السابق بل ويزداد وهجاً أكثر فأكثر كلما نضجت القصة وازدادات تحولات تسلسلاتها بمرور الوقت.

محمد سعد الذي استعاد بريقه من جديد عقب خروجه من عباءة الكوميديا البالية وانطلق كالرصاصة يحطم قيود ماضيه السينمائية الممتلئ بالسقطات التي أنقصت من أهميته وأفقدته مكانته لدي الجمهور، فقد كان مبدعاً يمثل بجسده وخلجات أصابعه ونظرات عينيه الذين تمكنوا من توصيل  أحاسيس مختلفًا في كل لقطةٍ يطل بها ويدلي بكلماته الحوارية بصوته الأجش الصارم، لذلك الكل يتمني لو صار “محمد سعد” علي هذا النهج في أعماله السابقة حتي يتمكن من محو إخفاقات السابق والشروع في اللحاق بركب النجوم الكبار الذين يتفوافد علي أعمالهم عشرات الناس من كل حدبٍ وصوب.

محمد رمضان، الظاهرة المثيرة للجدل التي بات حديث الأوساط الفنية والنقاشات الجماهيرية الحادة التي تنقسم بين مؤيدين ومعارضين، يقدم أداءاً مختلفاً عن ما قدمه في أعماله التجارية السابقة يمارس من خلاله  التمثيل كما كان يجب أن يفعل مسبقاً بعيداً عن مهاترات الغرور وإدعاء النجومية الزائدة من خلال العديد من السقطات المليئة بالاسفاف والسطحية العارمة بالعبوب، ويبتعد بالكامل عن  التطجين الصوتي في الكلام وإرتجال المصطلحات الخاصة التي قد تفسد الشخصية نتيجة معتقدات “رمضان” البالية، فعلي غرار “محمد سعد”، يجب علي “محمد رمضان” كبح جماح ضحالة أعماله الفنية ككل واستثمار تلك الموهبة التي تتواري خلف الملابس الباهظة والأغاني التي لا معني لها ،فقد يتمكن يوماً ما من توحيد آراء الجمهور عنه بطريقةٍ إيجابية بدلاً من كم الإنتقادات الحادة التي لا يتعرض لها علي درجاتٍ متفاوتة، بل يومياً وبكثافة علي جميع مواقع التواصل الاجتماعي.

 “هند صبري” مازالت تثبت للجميع بأن عام “2019” هو عامها بكل تاكيد،ففي ثلاث أدوارٍ مختلفة وفي وقتٍ قصير تستطيع أن تحوذ علي قلوب الجماهير ببساطةٍ في الأداء وفيضانٍ من المشاعر التي لا يمكن لبشر أن يري تلك الأنثي ذات الوجه الحسن والبهاء الساطع ولا يقع في غرامها ولو للحظة، فهنئياً للسينما العربية بإبنة “تونس” الخضراء وإحدي أميرات الفن الحديث التي تعتبر وجهاً مشرفاً يفخر بيه الجميع بكافة إنتمائاته.

 

لذلك كانت ثنائية “الكنز” تجربة سينمائية مغايرة نستعيد من خلالها متعة السينما وبهجتها التي يغرق فيها الجميع حتي أذنيه وتصير إدمانه الوحيد دوناً عن أي شئٍ أخر، يحمل رسالةٍ شافية ووافية تستلهم العقل وتدفعه للتساؤل عن مدي إمكانية ارتباط الماضي بالحاضر و إنعكاس صراعته عليه علي نحوٍ مقارب فيما يخص القيم المفترض كونها قيم مطلقة خالية من أية قيود، ولكن إن كان كل شئ يخشي تقلبات الزمن فيتغير حاله، الإ ان الصراعات لا تزال قائمة علي السلطة او الحب أو المصالح الشخصية، فلذا الدور بات علي رجال المستقبل في كي يصنعوا قراراتهم فيما يخص الوضاع الراهنة وكتابة صفحاتٍ تؤرخ  تاريخاً جديداً لمصر أسوةٍ بما فعله الأسلاف من قبل.

اسامة سعيد

كاتب وناقد سينمائى بموقع بيهايند وطبيب بشرى، محب للفن بشكل عام والسينما بشكل خاص.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock