مراجعات افلام
ساخن

فانتازيا الواقع والخيال – مراجعة فيلم الفيل الأزرق 2

ليلةٍ ظلماء
خيطٍ رفيع من ضوء شاحب،
زئير سيارة ترحيلات تشق بنضبتاته الخشنة ظلمة المكان الراقدة،
تنفتح بواباتها كاشفةٍ عن جسدٍ محاطٍ برداءٍ أبيض

غطاءه يسٍتر وجهاً يشتاط ريبةً
ملامحه قاسية
تكتسي بشرودٍ غريب ومثير للرعدة.

“فريدة عبيد”، أنثي حسنة المظهر، شق قمرٍ يضئ جمالاً لا يتناسب مع إضطراب جسدها، وجهٍ محتقن جلده متيبسٍ ونظراته عابثة، تكتسب طابعاً وحشياً يوحي بجزء مغلق في أعماقها، ويخيل للجميع بأن ألمٍ ما يمض جسدها وعذابٍ نفسي تخالطه نزوات شرٍ مجهولةٍ هويته.

تطرق أبواب الجنون العارم فيستبيح عباراتها، يجتاح كل شبرٍ منها فيستهوي قلبها ويسكن جوارحها، تنوي إشعال فتيل الفوضي لغاياتٍ سوداء يندي لها العقل، وتستمد قوي منطقها من تأثيرات حربٍ نفسية صافراتها تُلهب الواقع بكوابيسٍ من وحي الخيال.

فمن سيقتلع أشواك تلك الزهرة من تربتها التي لا تليق بها سوي “يحي راشد”!!!!!!

الطبيب النفسي الذي كان علي شفا جرفٍ هار سيلقي به فريسةً لطعنات الوحدة وسكر الجسد المحفز تحت تأثير الكحول، حيث يتلوي من شدة يأسه ولوعة حزنه الدفين وتبلد مشاعره كاملةً.

علي الرغم قد وجد أخيراً ضالته المنشودة وينعم حالياً بالاستقرار بصحبة من خفق لها قلبه وهوتها نفسه وإرتج لها كيانه بعدما سقته من معاني الحياة بعد فراقٍ طويل، الإ أن بقايا حياته السابقة ما زالت تطارد هدوءه وصفاء روحه ،فتؤرق منامه وتقض أحلامه.

لكن نداء الواجب يحتم عليه شحذ همته في محاولة لملمة حقيقة غامضة تتناثر أجزائها إلي أشلاءٍ مبعثرة بين الماضي والحاضر، فينقذ ما يمكن إنقاذه وينبش عن سبلٍ يحد بها الخطر عن من يخصوه، بعدما مس الضر الجميع وبات سيفاً باتراً سيقتلع الارواح دون أن يأبه لأحد.

 

السؤال الذي تبادر لأذهان البعض: “هل الغرض من صناعة جزء ثاني من إحدي أفضل أعمال السينما المصرية في الأونة الأخيرة غرضه تجاريٍ بحت أم أن هناك بذور فكرة أخري علي شاكلة سابقه وتستمد نقاط قوته منه فتصعد سلم النجاح مرةٍ أخري بسهولةٍ ويسر ؟”

سؤالٍ تصعب إجابته إلا عقب نزول تترات النهاية والتفرغ من متابعة تلك الملحمة السينمائية متعددة الصدمات، فمؤلفه “أحمد مراد” أدرك ببراعة قلمه وحصيلة ثقافته المهولة وخياله الخصب كيفية تركيب أفكاره ببعضها البعض والوصول لصيغة نهائية للحبكة المناسبة التي تجر أقدام الأعداد الغفيرة من الجماهير للصالات فتشاهد نجومها المفضلين يبدعون من جديد تحت ظلال الشخصيات التي برعوا في تجسيدها وعكس زواياها التي ذكرت نصاً بالرواية الأصلية، ومطالعة فصلٍ جديد من فصول تلك الفانتازية التي تمزج بين الواقع والخيال في تناغمٍ خلاب.

السيناريو اتبع نهج الفيلم السابق الهادف لرفع معدلات الإثارة لأقصي درجاتها،حيث يطمس المعلومات التي يحتاجها المشاهد لفهم ما هو بصدده، فيصحبنا بطله “يحيي” في رحلة لحل اللغز وكشف الحقائق التي تمكنا من إدراك الموقف برمته وإطلاق الأحكام النهائية سواء بالسلب أو الإيجاب.

المزيج الذي قدمه “أحمد مراد” هنا ليس صراعاً تشوبه التقليدية بين الخير والشر، ولكنه بين الخوف الجارف من جانب والضلال من جانب أخر، فالشيطان حينما يتسلل للإنسان يتطرق لنقاط ضعفه ويجاهد في إضلاله بطرقه الخاصة فيستسلم المرء لنزواتٍ متطرفة ويخضع لها غالبةً بالكامل علي مشاعره الحسية الطبيعية،فيغدو شخصاً أخر يختلفُ كلياً عن ما كان عليه سابقاً غير قادرٍ علي مقاومة الإغواء العتيد الذي يتعرض له، وهذا ينطبق بالكامل علي جانب الشر الذي يلوح هنا أقوي مما عهدناه في الجزء السابق.

علي الجانب الأخر، فالمقصد من الخوف هو ما يتعرض له “يحيي” هذه المرة من خشية فقدان من يحبهم بعدما ظن أن الإستقرار صار ملاذه والعائلة سبيله للحفاظ عليه، قلة حيلة وإضطراب نفسي نتيجة صدماتٍ وهلاوس بصرية وأحلامٍ مفزعة تطارده لم يُكشف عنها النقاب سوي بإقدامه علي مجابهة المخطرات بشتي أشكالها واللجوء من جديد لعالم البرزخ من جديد الذي ينقله من واقعٍ مبهمٍ وغير ملموس يصعب فهمه إلي عالم غيبي قد يستنبط منه المعطيات التي تعينه علي إكمال مهمته وإخماد ثورة الشيطان الهائلة التي لا تحمل سوي الخطر لمن تطوله نيرانها.

كل هذا وأكثر لم ولن تكن سوي أفكارٍ  مبصومة بختم “أحمد مراد” الذي قدم رؤي ناضجة فكرياً وفنياً تضعه علي مصاف الكتاب الكبار الذين يشكلون الأمل الكبير لإنتشال السينما المصرية من ما أصاب مزاج روادها العام وأفقدها الوعي التام بضرورة التردد علي سينما تنتعش بأفكارٍ مبتكرة وعوالم مختلفة لم يتطرق لها من قبل، فهنيئاً ل”مراد”، ذلك الشاب اللامع الذي لم يكن ليحتل مكانته ضمن قلوب الجماهير من فراغ لولا إنجازاته الغير مسبوقةٍ علي الصعيد الأدبي والسينمائي.

“الكيفية وليس الكم”، أكاد أجزم بأن “مروان حامد” يتخذ تلك المقولة نبراساً في عمله كمخرج، 6 أفلامٍ فقط طانت كفيلة بنجاحٍ ساحق في كل مرة يفترش فيها أدواته لصنع الإبداع الذي ينحاز لجمهور السينما ويلائم تطلعاتهم بسينما مصرية خالية من الإسفاف.

ثراء بصري بديع قدم علي نحو متقن يسمو نسبياً علي تجارب الجزء السابق،إهتمام زائد بدقة التفاصيل،إحترام ذكاء الجمهور وتخفيف مغبة التعقيدات علي أكمل وجه، لوحات فنية ساحرة يختلط فيها الواقع بالخيال- الماضي مع الحاضر-نور الدنيا وزينتها بظلامية القول والفعل- تعكس شغف “مروان حامد” بهذا العالم الإستثنائي وقدرته الفائقة علي إدارة تفاصيله بدقةٍ متناهية، يكفي تمسكه ب”هشام نزيه” مؤلفاً للموسيقي التصويرية ،والذي أطلق العنان لسمفونياته تطفو علي سطح الفيلم وتغدو كالمس السماوي الذي يصيب الفرد بحالةٍ من الشد العصبي المستمر فيبقي علي حافة الترقب لما سيحدث من تطوراتٍ لاحقة في سياق القصة.

للمرة الثانية علي التوالي، “كريم عبدالعزيز” يفوز عن أدائه المتماسك لشخصية “يحيي” لقب أفضل ممثل هذا العام،نظراته الثاقبة -حيرته الدائمة-عجزه التام عن تحمل مسؤولية الأخرين-زعره من هول ما يراه-“يحيي” كان كتاباً مفتوحاً ل”كريم عبدالعزيز” ففهم طباعه وتذوقها بهيام من يتلذذ بشئٍ ما، فنجح في أن يبرز الشخصية ضمن محطات الفيلم الهامة متفوقاً علي أدائه بالجزء الأول ومدعماً لما يتردد علي الألسنة بتجلي موهبته وقدرته علي تقديم أدوارٍ مختلفة بشتي الفئات السينمائية.

“نيللي كريم” حسناء الفن وملاكها الفاتن، إستغلت المساحة الكبيرة والمهداة لدور “لبني” لكي تترك بصمتها علي أحداثٍ تعج بتطوراتٍ عدة تخص شخصيتها من إضطرابٍ نفسياٍ مبررٌ بالكامل،تصرفات حادة ونوبات إندفاعية تنعكس في سياقاتٍ مختلفة،عيونٍ غائرة تجمع بين الحزن والضعف في آنٍ واحد.

أهميةٍ كبري حظت بها “لبني” في الفيلم وتبنت “نيللي كريم” تلك الأهمية وأكسبتها طابعاً يختلف كليتاً عن ما قدم في الجزء السابق الذي لم يهب العمق الكافي للشخصية كي تشكل محوراً هاماً في مجري الأحداث.

من أين أبدأ كلامي وكيف أبدأ؟ فقد تلعثم لساني فجأةً وسرت تائهاً بين الحروف لعلي أجد ضالتي وأنتقي ما يمكن أن يصف ما قدمته إبنة “تونس” الخضراء وزهرتها المتفتحة “هند صبري”، حينما تمتزج الموهبة بما هو مكتوب في صفحات النص السينمائي تكون الخامة هكذا كما رصدناها بأم أعيننا، “فريدة” خلقت لكي تتنقل روحها لجسد “هند صبري” فقط دوناً عن غيرها ،فكان الأداء من أفضل ما قدمته حسناء قرطاج ونجمتها الأولي،.

راقبوا تجمد مشاعرها وتعابير الوجه بحفر خديه الغائرين، عينيها المتحجرين بحدةٍ بالغةٍ في الشر،نرجسيتها الزائدة عن الحد وافتنناها بنفسها، تجمع مختزن من الرغبات الصارخة، بخطواتٍ قليلة داخل إحدي الغرفةٍ الضيق ونظراتٍ بالغة الغلظة، ينطلق ثوران وحشها الكاسر فتشتاط نزعته ، وتشرع في ممارسة ألاعيبها الدنيئة دون رحمةٍ أو شفقة، فتكون بمثابة كابوسٍ حقيقي من الصعب تحمله.

لذا كانت ثقل الموهبة وخبرة السنين السابقة أسلحة “هند صبري” التي مكنتها من نيل تفاعلٍ مثالي علي مجمل المجهود الذي بذل من خلال إبراز جنبات الشخصية وعبثيتها الزائدة، وربما تتفوق علي حليفيها “كريم عبدالعزيز” و” نيللي كريم” في لفن أنظار الجمهور بأكمله والإشادة بكل كبيرةٍ وصغيرة تخص شخصية “فريدة” أسوة “بخالد الصاوي” في الجزء الأول.

نادرة هي المرات التي قلما تجد فيلماً ينتمي للسينما المصرية في تحقيق معادلة النجاح الكامل من حيث الثناء النقدي والإستحسان الجماهيري، فالإخلاص للتجربة والعمل علي تكرار أساليب سابقتها بجانب تكامل عناصره السردية والفنية في قالبٍ واحد يعطي مؤشراً هاماً علي ريادة سينما الثنائي “أحمد مراد” و”مروان حامد” عند الجمهور بمختلف فئاتهم فوق أية مدرسةٍ أخري في الوقت الحالي، فرونق الرؤئ الفنية والبلاغة القصصية والإبهار البصري الافت يحفرون بدورهم مكاناً خالداً في القلوب حيث يركض أصحابها زحفاً خلف أية جديدٍ ينبثق من ذلك التعاون المثمر دوماً.

 

اسامة سعيد

كاتب وناقد سينمائى بموقع بيهايند وطبيب بشرى، محب للفن بشكل عام والسينما بشكل خاص.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock