مقالات

عن المخرج اندري تاركوفسكي

بقلم : اندرو عزت

كلما فتشت عن وصف لمشوار تاركوفسكي السينمائي وأعماله لا أجد أخلص من تلك الكلمات التي كتبها هنري جيمس عام 1896 : “هناك فكرة عامة في مجمل مؤلفاته، هي الأروع والأكمل على الإطلاق، وأظن أن نجاحي في زرعها في كل أعمالي، عملاً إثر آخر، يعد نصراً للصبر والبراعة، فهذه الفكرة تتمدد من كتاب لكتاب، وكل شيء آخر بالقياس لها، هو ثانوي يلهو فقط على سطحها، إن مفتاح سر هذه الفكرة موجود في كل صفحة كتبتها، في كل سطر خططته، في كل كلمة نحتها، السر موجد هناك، محسوس وملموس، كالطير في القفص، كالطعم في الصنارة، كقطعة الجبن في مصيدة الفئران، إنه يتحكم في طول كل سطر، في اختيار كل كلمة، يُنقِّط كل حرف، ويُعيِّن موضع كل فاصلة”. وكأن جيمس وهو يكتب هذه القصة كان يفكر في حالة مناظرة لحالة تاركوفسكي، يتنبأ بقوة محركة لمجمل أعمال الفنان، مبدأ حاكم يظل سراً مغلقا إلا للفنان نفسه، المُعذَّب بفكرة البحث في المناطق المعتمة، منقباً عن الحق والجمال، عن معنى الوجود الإنساني. تاركوفسكي الذي عمل لستة وعشرين عاماً متصلة في السينما، بلا تنازلات، رافضاً الإذعان للشكل السوقي السائد للسينما العالمية، فكان نتاج كل تلك السنين من الجهد والأرق والمرض هو صنعه لسبعة أفلام روائية طويلة فقط، رغم أنه، وبشهادة الجميع في وطنه، كان الأكثر موهبة، وأصالة، منذ كبير السينمائيين السوفييت؛ سيرجي أيزنشتاين.يتهيب المرء عند الكتابة عن تاركوفسكي، فهناك أولاً الإشفاق على النفس عند التفكير في الكتابة عن هذا الفنان العظيم، وهناك أيضاً حشود الأفكار التي تتلاحق حين يُذكر تاركوفسكي أو أحد أعماله، فضلاً عن الشك في أن لا تكون الكلمات هي الوسيلة الأنسب للتعبير عن سينماه، بثقلها البصري والروحي والميتافيزيقي. لذلك اخترنا أسلوب الملاحظات لكتابة هذا المقال، آملين أن نبرز الفكرة أكثر من تجميل الصياغات، سعياً لتجنب الالتباس الذي قد يسببه استخدام جماليات اللغة عند الحديث عن سينما تاركوفسكي، وهو التباس مطلوب في العمل الفني، مكروه عند التصدي لقراءته. ولا يفوت القارئ الذي أوتي نفاذ البصيرة أن يدرك أن هذه الكلمات الزائدة، إنما تأتي من باب التماس العذر لمحاولة الكتابة عن تاركوفسكي.

أرثوذكسية الفن :
هناك في البداية ملمح الرجل الملتزم أشد الالتزام بعمله، فتاركوفسكي ليس من طينة الكسالى الملهمين المنجرفين في أحلامهم. كان الرجل يمقت تلك الخرافة التي خلقها الفنان البوهيمي حول عملية الإبداع، وكان الالتزام عنده يعني صنع الأفلام بوعي كامل، ويعني أيضاً التضحية، وواجب الفنان في التأثير على جمهوره لإيقاظ الجانب الجمالي والروحاني فيه، لا تدميرهما. أرثوذكسية الفن عند تاركوفسكي تبدو كما لو أن الفن يطالب بنفس شروط قدسية الممارسة الدينية: إيمان، وصبر، ومواظبة، وإخلاص، وتضحية. في محادثة له مع السيناريست الإيطالي تونينو جويرا، يقول تاركوفسكي: “السينما فن معقد وهام جداً، وأعتقد أن علينا أن نقدم ذواتنا قرباناً لهذا الفن”.
ملمح آخر من أخلاق الفن عند تاركوفسكي هو أن يكون السينمائي قادراً على البحث المتواصل عن الجمال الخالص الذي هو مطمح كبار الفنانين كما كبار الصوفيين؛ ذلك الجمال الذي يظل وفياً لطبيعته الجوهرية عندما تُحجب الصنعة والعمليات التقنية. كان عمله هو سعي دائم للإمساك بهذا الجمال؛ في كل فكرة، ولقطة، وتشكيل، وتعبير، ولون، وحركة. إن عبقرية تاركوفسكي هي عبقرية جمالية تتغذى على الجمال، وأصبحت معه السينما –لأول مرة- موضوعاً للجمال. نتذكر في هذا المقام مقولة ستيفان تروفيموفيتش في رواية (الشياطين) لدوستويفسكي (والذي كان تاركوفسكي يحبه ويقدره كثيراً): “هل تعلمون أن الإنسانية تستطيع أن تستغني عن الخبز، وعن العلم، ولكنها لا تستطيع أن تستغني عن الجمال؟! إن الجمال وحده لا غنى لها عنه، إذ بدون الجمال لا يبقى لنا على الأرض ما نعمله! هذا هو السر كله! ذلكم هو كل التاريخ!”.
ربما يكون تاركوفسكي كذلك من أكثر السينمائيين الذين تمسكوا بحريتهم في الإبداع، رغم المعاناة والحصار اللذين جوبه بهما داخل الاتحاد السوفييتي؛ من السياسيين والرقباء على حد سواء. كان يرى أن شرط الفنان السينمائي هو الإخلاص الكامل لفنه، وكان تقديره ضئيلاً لمن هم ليسوا أهلاً لذلك؛ أولئك الذين يضعون الفن في خدمة السياسي أو التاجر. كان أيضاً يمقت طريقة هوليوود في صنع الأفلام التجارية بنفس الطريقة التي يتم بها إنتاج السجائر والمياه الغازية، كان لكونه فناناً حراً يحتقر هذا النوع من النجاح، وعرف أن الثمن الذي يُدفع للحصول على الجمال الخالص هو التضحية بالنفس قرباناً للفن.

Behind The Scene

بيهايند هي كيان سينمائى مصري متخصص فى مجال السينما والدعاية السينمائية نعمل على تقديم احدث الاخبار المصرية و العالمية فى مجال السينما ودعم الافلام السينمائية

ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى