مراجعات افلام

عشاء ستانلي كوبريك الأخير Eyes Wide Shut

عيون مغلقة على اتساعها هو طريقة ستانلي كوبريك في رفع أصبعه الأوسط للعالم في رسالة أخيرة في فيلم أشبه بحلم يقظة مثير، نحن مع البطل ندخل في مغامرة في العالم السفلي للجنس ولكن الأمر كله أشبه بالمداعبة، نحن حقاً لا نشاهد البطل يمارس الجنس ولا نشاهد الجنس على الإطلاق في الفيلم سوى في تخيلاته لأنه كما يقولون العقل هو أكبر الأعضاء الجنسية، دائماً نحوم حوله ولكن لا نصل إليه، نضع أيدينا في النار ولكن لا نحترق، ننظر ولكن لا نلمس، رائحة الإثارة تفوح في المكان ولكنها غير حقيقية.

 

فيلم eyes wide shut بشكل أساسي يتحدث عن الفساد داخل العلاقات الإنسانية ومدي تأثر حتي ابسط العلاقات بالرغبة والشهوة، التفكير الجنسي الذي أصبح مسيطراً على عقل الإنسان ورسم مساراً واضحاً لمدى الإنحطاط الأخلاقي الذي قد يصل إليه المجتمع، سلطة الغريزة الشهوانية علينا أبعدتنا بشكل كامل عن الطريق المستقيم وجعلت الإنسان ضحية لنزواته العابرة، بعض الناس مستعدون للتخلي عن كل شئ من أجل لحظة جنسية عابرة، وجعل هذا الفيلم في وقت الكريسماس وهي عطلة دينية ووقت تتجمع فيه العائلات للإحتفال، وبرغم جميع مظاهر هذه العطلة من حول الشخصيات في الفيلم إلا أن التفكير منصب حول شئ واحد وهو الجنس.

الفيلم لديه بنية افلام الإثارة ربما حتى افلام النوار، تشعر بالتوتر مع كل لحظة تمر، الأمر أشبه بالكابوس، سلسلة من الأحداث الغريبة، وشخصيات تنجرف خارج وداخل تركيز الأحداث، نحن والبطل ندخل في دوامة محيرة من الألغاز والمؤامرات، الأشياء فقط تحدث من حولنا، لاشئ حقاً يحدث إلينا ولاشئ حقاً يحدث بسببنا، نحن فقط موجودون في وسط الأحداث، لا نتذكر من أين آتينا ولا نعلم إلي أين سنذهب، هل هو حلم؟ ام ان هذا هو الواقع؟ ستانلي كوبريك قد أزال الخط من بين الاثنين.

الفيلم يتحدث أيضاً عن الحياة الزوجية وكيف انها أصبحت واجباً على الفرد، كأن الزواج قد أصبح إلزامياً، وان الواجبات الزوجية عوضاً أن يفعلها المرء بدافع الحب فأنه يفعلها بدافع أنها شئ ملزم كأن هناك عقد خفي، وهذا ما يجعل المرء يندفع وراء شهواته للإبتعاد عن هذا العبء الذي يثقل كاهله، كأن كل ما يجمع بين الأزواج هو وثيقة ورقية وتلك الرغبة الحيوانية تجاه الأشخاص الذين هم خارج هذه الوثيقة، الخيانة بعد ان كانت شئ غير أخلاقي قد أصبح حلماً بعيد المنال. 

هناك أمرين في غاية العبقرية اريد التحدث عنهم، الأول أن اي شخصية قد تفاعل معاها البطل في الفيلم تريد منه خدمة جنسية من نوع ما كأنه قد توقف عن كونه انسان له مشاعر وشخصية وأصبحت مجرد أداة للشهوة في أعين الناس، والثاني انه دائماً ما يقدم نفسه على أنه طبيب عند بداية اي حديث كأنه يريد تذكير نفسه والناس من حوله انه شخص ليس مجرد شئ، أشياء عابرة مثل هذه ربما لن تلاحظها مع مشاهدتك الأولي للفيلم ولكنها تحمل مضمون رسالة الفيلم.

يمكنني أن أتحدث لساعات مطولة عن هذا الفيلم يمكنني تحليل كل مشهد منه بالتفصيل الممل لأنه من أكثر الأفلام الدسمة بالتفاصيل العبقرية، لكنني اريد ان اتحدث عن شئ اخير قبل الختام، الفيلم لا يتحدث فقط عن شهوة الجنس فهناك أنواع أخري من الشهوات ربما تكون أكثر تقززاً وأهمها شهوة المال، وهو ما استكشفه كوبريك في مشهد الرجل صاحب محل ملابس التنكر، كيف ان حالة الغضب العارم عندما اكتشف ابنته القاصر مع رجلين في المحل، قد تحولت لحالة من السعادة عندما حصل على مبلغ منهما مقابل هذه الليلة مع ابنته، حتي انه قد عرض ابنته على البطل، المشهد هنا لا يستكشف فقط مدى الإنحطاط الذي قد يصل له بعض الناس، ولكن ان الشهوة هي شئ قد يدمر كينونة الإنسان ويجعله يتخلى عن كل شئ في لحظة.

بقلم : باسم عماد

Behind The Scene

بيهايند هي كيان سينمائى مصري متخصص فى مجال السينما والدعاية السينمائية نعمل على تقديم احدث الاخبار المصرية و العالمية فى مجال السينما ودعم الافلام السينمائية
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock