مقالاتمميز
TRENDING

صفحات من حياة رائد المسرح الشعري عبد الله غيث

عملاق المسرح ، عمدة الفن ورائد المسرح الشعري، كلها ألقاب أطلقت علي الفنان المصري عبد الله غيث ، قيل عنه أنه افضل من ألقي الشعر علي المسرح ، وأنه أفضل من نطق باللهجة الصعيدية كممثل ، وفي ذكري وفاته نقترب أكثر من حياة الفنان الكبير الذي أثري الفن بالكثير من الأعمال العظيمة التي ستظل عالقة في الأذهان :

الفصل الأول في حياة عبد الله غيث

 

حمدي الحسيني غيث ، شاب مثقف متفوق في دراسته من عائلة من الأعيان بكفر شلشمون مركز منيا القمح محافظة الشرقية، يرسله والده عمدة القرية لدراسة الطب بانجلترا ، يجتهد الطبيب الشاب في دراسته فأمامه مستقبل باهر ، يعود في اجازة آخر العام إلي قريته الصغيرة لينعم بدفء الأهل والصحبة ليستقبل عامه الدراسي الجديد بصدر رحب ، لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، وتندلع الحرب العالمية الأولي  فلا تتسني لحمدي العودة لاستكمال دراسته ، ويمرض والده العمدة ، فيتحدد مصيره بالبقاء في قريته لتولي العمودية التي توارثتها العائلة اباً عن جد ،فيستقر ويتزوج وينجب خمسة أبناء ، ثم يأتيه الموت علي غير ميعاد فيترك أبناءه وأصغرهم رضيع ، (عبد الله حمدي الحسيني غيث )المولود في 28 يناير 1930. 

ينشأ عبد الله يتيماً ، يرعاه أخاه الأكبر حمدي الذي كان في الرابعة عند وفاة الأب ورغم صغر سنه إلا أنه يتعهد برعاية أخيه الأصغر وأن يكون له بمثابة الأب الذي حرم منه .

لم يكن عبد الله مولعاً بالدراسة والتعليم ، آخر العنقود الشقي ، يهرب من المدرسة ويجلس تحت شجرة الجميز الكبيرة يتأمل الكون من حوله، ربما كان يفكر في أي مستقبل ينتظره ، وربما كان يبحث عن مكانه بين جنبات الكون الفسيح .

يكبر عبد الله وتكبر معه أحلامه والتي لا ترتبط أبداً بالتعليم ، فلم يحلم أبداً أن يكون مهندساً او ضابطاً كباقي الأطفال ، ولم يرد أن يدرس الطب كوالده، فجل ما حلم به يوماً أن يكون فلاحاً يرعي أرضه ، أو فناناً يدرس السينما والمسرح ، فبالكاد يكمل دراسته الإعدادية والثانوية ، ثم يعمل بالفلاحة لسنوات ، فقد كانت تربطه علاقة وثيقة بالأرض التي نشأ فيها وتربي علي محبتها ، وأخذ علي عاتقه مهمة الاهتمام بها ورعايتها .

و إمعاناً في ارتباطه بقريته وأرضه يتزوج عبد الله بمجرد أن تم الثامنة عشر من ابنة خالته ورفيقة دربه وتقام الأفراح في القرية سبعة ليال احتفالا بزواج أصغر أبناء العائلة الكبيرة.

 وفي هذه الأثناء يترك الأخ الأكبر القرية ويذهب إلي القاهرة لدراسة الحقوق ، ولكن يستهويه الفن فيترك الحقوق ويلتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية ، ويتفوق علي أقرانه ويذهب في بعثة إلي باريس لاستكمال دراسة المسرح ، ثم يعود ليعمل أستاذا بالمعهد، فيمهد الطريق لعبد الله ليحقق حلمه الآخر الذي ظل يراوده رغم كل شيء ، فيلتحق أخيراً بالمعهد العالي للفنون المسرحية ويدرس تحت إشراف أخيه الأكبر ليتخرج عام 1955 لتنطلق مسيرة العطاء الفني التي لم تتوقف إلا بوفاته عام 1993.

البداية : 

بدأ عبد الله غيث مسيرته الفنية في المسرح القومي أثناء دراسته بالمعهد ، ووقع أسيراً لهذا الفن الراقي منذ ذلك الحين ، وتجلت موهبته العظيمة علي خشبة المسرح ، فبدأ بالكلاسيكيات المترجمة مثل : حبيبتي شامينا ، الخال فانيا ، مرتفعات ويذرنج ، الفخ، السلام، ماكبث،فيدرا .

تألق عبد الله غيث في أجواء المسرح ووجد فيه ضالته ، وترك بصمة لا يمحوها الزمن ، فقال عنه يوسف بك وهبي أنه خليفته علي المسرح ، وكان له باع كبير في المسرح الشعري علي وجه التحديد ، فقيل عنه أنه أعظم من ألقي الشعر علي خشبة المسرح ، فصوته القوي ولغته السليمة جعلته أيقونة للمسرح الشعري ، وبلغ من صدق آدائه وتمكنه مبلغاً عظيماً ، ومن المواقف التي تذكر في هذا الأمر أن بكته جيهان السادات بكاءً شديداً عند وفاة شخصيته في مسرحية (الوزير العاشق) ، ومن المسرحيات الشعرية التي تألق فيها أيضاً : مصرع كليوباترا ، عنترة بن شداد .

الحسين ثائراً

كانت لشخصية الحسين حفيد النبي صلي الله عليه وسلم مكانة خاصة لدي عبد الله غيث ، فقد كان يحبه حباً شديداً ، وكان دائم الزيارة لمسجده وقبره مع أسرته ، وعندما قرأ المسرحية الشعرية التي كتبها عبد الرحمن الشرقاوي (الحسين ثائراً ) تعلقت روحه بها ، وكان علي استعداد أن يفعل أي شيء لكي يسمح الأزهر الشريف بعرضها حتي وصل به الأمر للتفكير بالاعتزال رغم كل ما حققه من نجاحات لو نجح في عرضها ، فقد كان عرضاً مسرحياً عظيماً يقال أنه الأعظم علي خشبة المسرح ، لم لا وقد كان مخرجه أستاذ المسرح كرم مطاوع ، وكان في البطولة إلي جانب عبد الله غيث عميد المسرح العربي يوسف بك وهبي ، والقديرة امينة رزق وعبد الرحمن أبو زهرة ، ولكن للأسف حضرت لجنة من الأزهر العرض ورغم تأثرهم الشديد بالمسرحية الذي وصل إلي حد انخراطهم في البكاء كان قرارهم النهائي بمنع عرض المسرحية تنفيذاً لقرار الأزهر السابق بتحريم تجسيد الأنبياء والصحابة ، ورغم كل محاولات فريق العمل الاستجابة لاشتراطات الأزهر في سبيل السماح بالعرض إلا أن كل المحاولات باءت بالفشل ولم يوفقوا إلي عرضها في النهاية.

الوزير العاشق والسينما

كان عبد الله غيث من القلائل الذين يرفضون تقديم التنازلات مهما كان حجم الإغراء ، فقد كان يؤمن أن الفن رسالة سامية لا ينبغي أن تخضع لقوانين السوق ، ولهذا كانت أعماله السينمائية قليلة ، ولكن علي قلتها كانت ذات تأثير كبير ، وأصبحت علامات في تاريخ السينما المصرية .

كان أول أعماله السينمائية دور صغير في فيلم  (عاشت للحب) بطولة زبيدة ثروت وكمال الشناوي عام 1959 ، (بياعة الورد) في نفس العام من بطولة تحية كاريوكا وسميحة أيوب ومحسن سرحان ، ثم (رجل بلا قلب) عام 1960 مع يحيي شاهين وهند رستم و زهرة العلا وأحمد رمزي .

ولأنه لم يستطع أبداً مقاومة سحر المسرح ، ابتعد عن السينما ثلاث سنوات قام فيها ببطولة مسرحيات : (المحروسة، عذراء مكة ، العباسة ) ، ثم عاد إلي السينما في دور صغير في فيلم (رابعة العدوية) عام 1963 ، ثم الدور الذي يعتبر انطلاقته في السينما وهو دوره في فيلم (لا وقت للحب ) مع فاتن حمامة ورشدي أباظة ، وقد كان لدوره في هذا الفيلم أطيب الأثر حيث أوصله للبطولة المطلقة الأولي له في فيلم يعتبر من أهم الأفلام في تاريخ السينما المصرية (أدهم الشرقاوي ).

عمل ملحمي نادراً ما تجد مثله ، توافرت له كل عناصر النجاح التي كان أولها بالطبع الصوت الشجي لنجم الغناء الذي كان ملء السمع البصر عبد الحليم حافظ ، الذي سرد الملحمة بصوته العذب عن رواية المؤلف زكريا الحجاوي وسيناريو وحوار المبدع سعد الدين وهبة ، وبطولة النجم الشاب وقتها عبد الله غيث مع المتألقة لبني عبد العزيز إلي جوار نخبة من النجوم : سميحة أيوب، شويكار، صلاح منصور ، توفيق الدقن ، عبد الوارث عسر ومحمد رضا .

ومن لهذا العمل سوي الفلاح ابن القرية الذي تتوافر فيه كل العناصر المكونة للشخصية ، فهو يحمل كاريزما البطل الشعبي ، روبن هود المصري الذي يأخذ من الأغنياء ليعطي الفقراء ويجاهد ضد الاحتلال الانجليزي .

بعد نجاح أدهم الشرقاوي يقوم عبد الله غيث ببطولة فيلم ذكريات التلمذة مع آمال فريد عام 1965 لكنه لم يحقق النجاح المطلوب ، ثم يشترك في نفس العام مع سيدة الشاشة فاتن حمامة في فيلم يحتل المركز الخامس في قائمة أفضل مائة فيلم عربي وهو فيلم (الحرام) ، الذي رشح لجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان عام 1965 وتحدث عنه النقاد في الصحف العالمية وهو عن رواية الكاتب الكبير يوسف إدريس وسيناريو وحوار سعد الدين وهبة وإخراج هنري بركات .

يعود عبد الله غيث بعد عامين إلي السينما تحت قيادة المخرج حسام الدين مصطفي الذي أخرج له أولي بطولاته أدهم الشرقاوي بفيلم احتل المركز الخامس والتسعين في قائمة أفضل مائة فيلم عربي هو فيلم السمان والخريف من تأليف الحائز علي نوبل نجيب محفوظ واشترك في بطولته إلي جانب غيث الكبير محمود مرسي والجميلة نادية لطفي و عادل أدهم.

قام عبد الله غيث ببطولة فيلم يعد من التحف الوطنية المنسية هو (ثمن الحرية ) وهو من بطولة محمود مرسي وكريمة مختار وصلاح منصور وكمال ياسين إلي جانب عبد الله غيث عن قصة نجيب محفوظ وإخراج نور الدمرداش ، ويحكي الفيلم عن قصة فدائي مصري يقوم بعملية ضد الاحتلال الانجليزي ويتعاون معه ضابط في الجيش فيكتشف الحاكم العسكري أمره ويقوم بتهديده للكشف عن مكان الفدائي وتتوالي الأحداث ، ونال عبد الله غيث جائزة عن دوره في هذا الفيلم .

كان عبد الله غيث شديد الانتقاء في أعماله ، وطالما جذبته الأعمال التي تتناول القرية المصرية أو تدور أحداثها في الريف ، فقد كانت تشبع جزء من الحنين الذي كان يعتريه دوماً إلي أرضه وبلدته وشجرة الجميز التي كان يستظل بها ، فقام عام 1969 بالاشتراك في فيلم (حكاية من بلدنا ) الذي تدور أحداثه في احدي قري الصعيد حول عمدة القرية الظالم الذي يحتكر زراعة الفول ويفرض أسعار باهظة علي الأهالي إلي أن يتمرد شاب من أهل القرية ويثور علي الظلم فيكون الشرارة التي تلهب أهل القرية للثورة ، وقد شارك في بطولته شكري سرحان وناهد جبر وصلاح نظمي ومحمود ياسين ومن إخراج حلمي حليم.

عبدالله غيث فيلم الرسالة

في عام 1976  كان النجم الكبير علي موعد بالشخصية التي أوصلته للعالمية حيث اختاره المخرج السوري مصطفي العقاد لدور حمزة بن عبد المطلب في الفيلم العالمي (الرسالة) ، الفيلم التاريخي ذو الصيت الواسع ، حيث أراد العقاد صنع فيلم يتحدث عن عظمة الإسلام والمسلمين ، و لذلك قام بصنع نسختين عربية وإنجليزية للفيلم ، حيث أدي عبد الله غيث الشخصية الأساسية في الفيلم وهي شخصية عم الرسول حمزة ، وقام بها في النسخة الإنجليزية النجم العالمي أنتوني كوين .

كان العقاد يعتقد أن الممثلين العرب سوف يتعلمون من الأجانب فأراد تصوير المشاهد بالإنجليزية أولاً ، إلا أنه تراجع بعد تصوير عدة مشاهد حيث وجد فرق الإحساس بالمشاهد لصالح العرب ، وعندما شاهد أنتوني كوين عبد الله غيث وهو يمثل أعجب به أشد الإعجاب وشاهد تمثيله لجميع مشاهده قائلاً أنه يتعلم منه ، وقال أيضاً: لو أن عبد الله غيث مثل في أمريكا سوف يكون له شأن آخر ، وهكذا حصد غيث الإعجاب ليس من المصريين وحدهم بل ومن نجم عالمي مخضرم حاصل علي الأوسكار كأنتوني كوين .

أفغانستان….لماذا ؟

في عام 1984 وقع الاختيار علي عبد الله غيث ليقوم ببطولة فيلم من انتاج مشترك مرة أخري ، ليشارك هذه المرة أيضاً مع نجوم عالميين هم الممثل الأمريكي شون كونري والممثلة اليونانية إيرين باباس التي شاركت في النسخة الإنجليزية من فيلم الرسالة بدور هند بنت عتبة ، و كان الفيلم من بطولة السندريللا سعاد حسني ، أفغانستان …لماذا ؟ فيلم يحكي عن معاناة الشعب الأفغاني أثناء الاحتلال السوفيتي لأفغانستان ،وتم تصوير في الصحراء المغربية و أخرجه المخرج المغربي عبد الله المصباحي ، ولكن للأسف بعد اكتمال تصوير الفيلم منعت جهات عليا عرضه وظل حبيس خزائن المركز السينمائي المغربي .

العملاق والإذاعة 

كان عبد الله غيث عاشقاً للإذاعة ، فكان يري أن العمل الإذاعي هو ما يظهر قدرة الفنان، فإذا وصل احساس الشخصية وتأثر بها  المستمع من خلال الصوت فقط فهذا يعني أن الممثل علي قدر عال من الموهبة، وكان لصوته المميز ولغته السليمة ومخارج ألفاظه المنضبطة أكبر الأثر في نجاحه في المسلسلات الإذاعية التي نذكر منها : رجالة بلدنا، عندما ينطق الجبل ، من أجل ولدي ، أولاد حارتنا عن قصة الكاتب الكبير نجيب محفوظ، صلاح الدين الأيوبي ، مطلوب خدامة، هنداوي ، وفية والزمن ، عابد المداح ، دماء علي الصحراء ، رسول من كوكب مجهول ، رحلة الليل ، رجل تحت الصفر ، عندما بكي الشيطان ، حكاية الدكتور مسعود وكان آخرها صيف حار جداً عام 1992 .

الهارب من الأيام

رغم قلة أعماله الدرامية ، إلا أن أدواره علي قلتها حملت طابعاً خاصاً ومميزاً لا يمكن أن تمر عليه مرور الكرام ، فقد شارك عبد الله غيث في بطولة اول مسلسل عربي مصري يتم انتاجه بعد افتتاح التلفزيون عام 1960 ، وهو مسلسل (هارب من الأيام) ، عن قصة الكاتب الكبير ثروت أباظة وسيناريو وحوار فيصل ندا وإخراج نور الدمرداش واشترك معه في البطولة توفيق الدقن ،حسين رياض، سعيد صالح، محمود الحديني ومديحة سالم.

وفي نفس عام أدهم الشرقاوي شارك عبد الله غيث في مسلسلات :خيال المآتة، عروس اليمامة والضحية الذي اشترك في بطولته مع أخيه الأكبر حمدي غيث .

وفي عام السمان والخريف شارك في مسلسلات : الرجل ذو الوجه القبيح والسائر وحده ، ثم في أوائل السبعينات اشترك في مسلسلات : الممكن، العصابة، النصيب ، المتهمة، الأخرس، والقلادة الخشبية وهو مسلسل أردني من تأليف وإخراج عدنان الرمحي عرض عام 1972.

لم يتخل عبد الله غيث أبداً عن الشعر ومحبته الكبيرة له ، فقام ببطولة مسلسلات تحمل طابعاً شعرياً كعنترة في عام 1978 ، شعراء المعلقات والذي قام فيه بدور عمرو بن كلثوم عام 1982 ، الجزار الشاعر عام 1983 .

كان للمسلسلات الدينية والتاريخية نصيباً كبيراً من أعمال عبد الله غيث في التلفزيون ، حيث كان يري أن رسالة الفن لا تكتمل إلا بهذه الأعمال ، كما أنها كانت تتيح له التحدث باللغة العربية الفصحي التي كان يتقنها اتقاناً تاماً ويحبها حباً شديداً حيث كان هذا الأمر يذكره بالمسرح الذي كان دائم الحنين له ، فقام غيث ببطولة عدد كبير من هذه الأعمال نذكر منها : سليمان الحلبي عام 1976، ليلة سقوط غرناطة عام 1979، موسي بن نصير عام 1983 ، نور الإسلام عام 1983 أيضاً ، ابن تيمية  و و رسول الإنسانية عام 1985 ، تحت ظلال السيوف ، بيوت في المدينة، وداعاً قرطبة ساعة ولد الهدي وكلها  عام 1992.

أما أشهر هذه الأعمال والتي مازالت تعرض إلي الآن : محمد رسول الله الجزء الأول  والجزء الثالث  ، القضاء في الإسلام الجزئين  الأول والثاني ،  لا إله إلا الله الجزء الثالث ،والكتابة علي لحم يحترق والذي اشترك في بطولته مع أخيه حمدي غيث وهو من تأليف محفوظ عبد الرحمن وإخراج عباس أرناؤوط .

أبناء في العاصفة وطيور بلا أجنحة

كان لعبد الله غيث علامات مميزة في الدراما الاجتماعية خاصة في بداية السبعينات ,حيث شارك في عملين يعتبرا من علامات الدراما المصرية ، الأول هو أبناء في العاصفة واشترك في بطولته مع صفاء أبو السعود ومحمود الحديني ومحيي اسماعيل ، والآخر هو طيور بلا أجنحة  والذي ظهر فيه العديد من الوجوه الشابة وقتها وهم : أحمد زكي ، فاروق الفيشاوي ، تيسير فهمي ، يحيي الفخراني .

وتوالت بعد ذلك أعماله من هذه الفئة ونذكر منها : قلب بلا دموع عام  1979، الأب العادل عام 1982 ، عابر سبيل عام 1983 ، زهرة والمجهول عن قصة الكاتب الكبير إحسان عبدالقدوس وإخراج نور الدمرداش واشترك معه في البطولة ليلي فوزي ، كريمة مختار، ليلي علوي ، علاء ولي الدين ومحمد توفيق وتم عرضه عام 1984 ، دوامة الحياة عام 1985 ، الجراد والأرض وحارة الشرفا عام 1986 ، الوجه الآخر وهو من تأليف يسري الجندي وإخراج اسماعيل عبد الحافظ واشترك في بطولته نوال أبو الفتوح وهادي الجيار وسعد أردش ومحمود مسعود وشيرين وسناء يونس وعرض عام 1987 , وفي نفس العام قام بدور العمدة في مسلسل الساقية تدور من تأليف يوسف جوهر وإخراج تيسير عبود واشترك معه في البطولة : أحمد خليل ، عايدة عبد العزيز، حنان شوقي وشريف منير.

أنا البرادعي يا رشدي ….

كما كان عبد الله غيث محافظاً شديد الانتقاء في أدواره ، كان أيضاً مجدداً إذا وجد هذا التجديد لا يتعارض مع رؤيته الخاصة للفن ، فقام ببطولة مسلسل (وتوالت الأحداث عاصفة) وهو من نوعية التشويق والإثارة التي كانت نادرة في هذا الوقت ، ويعد هذا المسلسل من العلامات البارزة في حياة عبد الله غيث الفنية ، واشتهر المسلسل بعبارة : أنا البرادعي يا رشدي التي كان يقولها المهرب الشهير بالبرادعي الذي يطارده العميد رشدي الذي قام بدوره غيث ، وحقق المسلسل نجاحاً كبيراً وقت عرضه ومازال يحصد نسب مشاهدة كبيرة عند إعادة عرضه علي القنوات الفضائية إلي يومنا هذا ، واشترك في بطولته مع عبد الله غيث : حسن مصطفي وسهير البابلي وليلي علوي وإبراهيم خان وأحمد بدير ومشيرة إسماعيل ومن إخراج حسام الدين مصطفي .

اللي بني مصر كان في الأصل … حلواني :

وعشان كدة مصر يا ولاد …حلوة الحلوات ، بكلمات التتر المؤثرة للراحل سيد حجاب واللحن العبقري للموسيقار بليغ حمدي وصوت علي الحجار الشجي يبدأ المسلسل التاريخي الأشهر (بوابة الحلواني) ، وهو عبارة عن ملحمة درامية عظيمة ضمت عدد كبير من النجوم ، فكان لابد أن يكون عبد الله غيث جزء من هذه الملحمة، شلش الحلواني كبير الحلوانية الشهير بعبد الله غيث ، وإلي جواره أحمد راتب ,خالد النبوي وصلاح قابيل وليلي طاهر وميمي جمال وحسن حسني وسعاد نصر وسمية الألفي وعبد الله فرغلي ونجاح الموجي ومحمد وفيق وحسن كامي .

يعتبر هذا المسلسل من العلامات الفارقة في تاريخ الدراما ، فقد تناول حفر قناة السويس والتأثيرات الاجتماعية والثقافية لهذا المشروع ، وكان انتاجه انتاجاً ضخماً ، وحقق نجاحاً نقدياً وجماهيرياً كبيراً .

عباس الضو قال لأ …

كان عامي 1992، و1993 هما ذروة الإنتاج الفني للراحل الكبير ، وكأنه كان يشعر بدنو الأجل ، واصطبغت أدواره في هذين العامين بصبغة فريدة، فيها صقل لموهبة لن تتكرر ، وتجلي واضح لخبرة كل هذه السنوات في العمل الفني فننتقل من شلش الحلواني في بوابة الحلواني في عام 1992 ، إلي فرغلي عبد الجبار في الدراما الاجتماعية حصاد الحب مع القديرتين سناء جميل وسميحة أيوب ، وكلمات اغاني الخال عبد الرحمن الأبنودي وقصة فتحية العسال وإخرج إبراهيم الشقنقيري في نفس العام ، ثم الباشا في المسلسل السياسي التاريخي زمن الحلم الضائع من تأليف محمد صفاء عامر وإخراج وفيق وجدي والذي اشترك معه في بطولته بوسي وعزت العلايلي وعبد الله محمود وعفاف راضي ، وهو في نفس العام أيضاً ، وعلي اختلاف تلك الأدوار وتنوعها نجد الآداء الرائع من عبد الله غيث حاضراً بمنتهي القوة والثبات ، ثم ننتقل للعمل الأشهر : المال والبنون الجزء الأول.

تعد قصة الكاتب الكبير محمد جلال عبد القوي الدراما الكلاسيكية الأشهر في تاريخ الدراما المصرية، فالمسلسل الذي دارت أحداثه في حي الحسين ربما لا مثيل لشخصياته وأحداثه ونجاحه في كل المسلسلات المصرية ، لعنة المال الحرام التي تطارد صاحبه ، والوفاء لعهد الصداقة ، وإلي أين يمكن أن يذهب بنا هذا الوفاء ، أفكار ناقشها المسلسل في سلاسة وترابط منقطع النظير ، وربما كان حي الحسين أحد الأسباب التي جعلت عبد الله غيث يوافق علي القيام بدور عباس الضو ، ليصنع شخصية أيقونية عاشت وستعيش في أذهان الجمهور إلي الأبد ، الرجل التقي الذي رفض المال الحرام و رفض أن يزوج ابنه لابنة صديق عمره حتي لا يقترب ولده من لعنة الحرام ، بنت سلامة لأ يا يوسف ، من أشهر العبارات التي حفظها الجمهور عن ظهر قلب لشخصية اقتربت من الجمهور كثيراً وعبرت عن كثير من الآباء المصريين ، وأداها عبد الله غيث بسلاسة وعبقرية تدرس .

عبد لله غيث ذئاب الجبل

وعلي النقيض من عباس الضو ، وفي عام 1993 ، يقوم عبد الله غيث بآداء الشخصية الأيقونية للدراما الصعيدية في مسلسل (ذئاب الجبل) ، الآداء الذي اعتبره البعض الأفضل لشخصية صعيدية في الدراما المصرية ، العربيد الفقير شديد الدهاء والمكر ، الذي يخدع ابنة عمه الثرية ويتزوجها ، فتقع هي في حبه وتسلمه مالها وأرضها ، فيستغل كل ما يحصل عليه ليتغلب علي عقد نقصه ويصبح كبير قومه ، وفي سبيل الوصول لا يتورع عن النصب والسرقة وحتي القتل ، علوان البكري ، الشخصية الأروع والأبرز وربما الأكثر ثقلاً أيضاً ، بكاريزما جبارة أداها عبد الله غيث فطغت علي شخصيات المسلسل الأخري ، وقيل عن عبد الله غيث أنه أفضل من نطق باللهجة الصعيدية في الدراما المصرية وأتقنها اتقاناً تاماً كأهلها ، وعمل في هذا المسلسل مع أخيه الأكبرحمدي الذي قام بدور الشيخ بدار، وكان هذا المسلسل هو العمل الأخير في حياة الفنان الكبير ، حيث رحل عن دنيانا قبل تصوير المشهد الأخير للشخصية مما دعا المؤلف محمد صفاء عامر لتغيير النهاية لتتناسب مع وفاته المفاجئة.

آه يا غجر والفصل الأخير

كان عبد الله غيث لا يحب الذهاب إلي الأطباء علي الرغم من أنه كان يشعر ببعض الآلام أثناء تصوير مسلسل ذئاب الجبل، وكذلك في كواليس مسرحية آه يا غجر والتي كان يقوم فيها بدور العمدة المحبب إلي قلبه ، وعندما كان ينصحه أبناؤه بالذهاب إلي الطبيب كان يقول أنه عندما يقف علي المسرح لا يشعر بأي تعب ، وبعد انتهاء عرض المسرحية لم يستطع تحمل الآلام فذهب إلي المستشفي ليكتشف أنه مريض بسرطان الرئة وطلب الأطباء حجزه بالمستشفي وعندما علم العقيد معمر القذافي بمرضه أرسل وفداً لزيارته , وأخبروه بوجود طائرة خاصة سوف تقوم بنقله لأي دولة في العالم لتلقي العلاج ، لكن الأطباء أخبروهم ان الأوان قد فات وأن الحالة ميئوس منها , ولم يطل المرض بالفنان الكبير حيث وافته المنية في 13 مارس عام 1993.

لمحات خاصة من حياة عمدة الفن

كان للفنان الراحل ثلاثة ابناء هم الحسيني وأدهم وعبلة ، وكان ينأي دائماً بعائلته بعيداً عن الوسط الفني ، فلم يكن يحب أن يعرف الناس أي شيء عن حياته الخاصة .

لم يبتعد عبد الله غيث ابداً عن قريته ، فكان يحب أرضها وأهلها حباً شديداً ، وكان يشعر أنها موطنه الذي ينتمي له ، وتحت شجرة الجميز الكبيرة كان يجلس مع اهل قريته مرتدياً الجلباب ، متحدثاً بلهجتهم الريفية ، يستمع إلي مشكلاتهم ويساهم في حلها ، وكان محبوباً جداً من أهل قريته ، ورشحوه للعمودية كأبيه الراحل، وألحوا عليه في القبول ، فلما وافق أقيمت الأفراح في القرية احتفالاً بموافقته ، لكنه عاد وتراجع عن الأمر لانشغاله بالفن وعدم قدرته علي التواجد الدائم في كفر شلشمون ، فأقنع أهل القرية بتولية العمودية لأخيه الأكبر أحمد.

كان عبد الله غيث يتنكر أحياناً في زي ضابط تموين ويذهب إلي التجار الذين يحتكرون السلع التموينية في قريته فيقوم بتخويفهم حتي يتراجعوا عن أفعالهم ويقومون بإلقاء بضاعتهم خارج المخازن ، واعتاد هو واخيه حمدي علي صنع المقالب في فترة الطفولة والصبا.

ورغم رحيله عن عالمنا سيظل عبد الله غيث حياً بيننا بفنه الصادق و أعماله الهادفة ، وستظل كلماته حية كقول شخصيته في الحسين ثائراً: الكلمة نور .

رانا مجدى

طبيبة نفسية، محبة للكتابة ومحررة بموقع بيهايند تعشق الفن السابع والموسيقى وكرة القدم.

ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى