مراجعات افلام

ماذا سيحدث اذا لم تجد الحب فى خلال 45 يوم ؟! – مراجعة فيلم The Lobster

“أنت هنا وحيد، أمامك فقط 45 يوماً لتبحث لك عن شريك، وإن لم تفعل هذا سيتعين علينا القيام بإجراء معتاد، وبالطبع أنت تعلم ما هو.”“أيهما أسوأ تعتقد: أن تنزف من أنفك كل يوم؟ أم أن تتحول لحيوان؟ أو أن يتم إصطيادك وقتلك!؟”

“نحن هنا نرقص كل شخص على حدى، فلذلك نستمع إلى الموسيقى الإلكترونية، وممنوع تماما ممارسة شتي أنواع الحب.”

قصة فيلم The Lobster

تدور احداث فيلم The Lobster في عالم ديستوبي حيث يُلزم علي العازب إختيار الشريك المناسب الذي يناسب مواصفاته خلال 45 يوم وإلا تحول الي حيوان من إختياره.

إعلان فيلم The Lobster

لنترك تفاصيل فيلم The Lobster لوهلة ونتدبر تلك العبارات الصادمة التي تحمل في طياتها إيديولجات مستقبل أشبه بما نجده داخل صفحات “الأدب الديستوبي” أو أدب المجتمع الفاسد الذي تسوده ضلالات الفوضي و تحكمه قوانين لا ينبع منها سوي التطرف والجهل وغيرها ما يحدث خللا في ثوابت العالم.

فمن الممكن أن نغفو يوما ما ونستيقظ علي تحولات جذرية سيشهدها ذلك العالم بواقعه  المرير الذي نحن بصدده والقائم علي التطرف الفكري وإحكام القيود علي حرية البشر في القيام بما يلبي رغباتهم وطموحاتهم وذلك بفرض قوانين خاصة لا تعير للأدمية إنتباها ولا تمتلك ذرة إيمان بضرورة فرض المساحة الشخصية للفرد للتعبير عن ما يدور بداخله من مشاعر حتي وإن كان لا يوجد ما يشوبها من إعوجاج فكري أو نزوات غير لائقة مما يثير أي نوعا من القلق تنطلق من خلاله شرارات القيود الإجبارية التي تثير الخناق علي الجميع بلا يمكن أن يتم إحتماله مطلقا.


قصة فيلم The Lobster

قد تبدو قصة فيلم The Lobster غريبة وغير واضحة المغزي والمعني لكن نص السيناريو الذي كتبه الفيلسوف السينمائي “يورجوس لانتيموس” يبرر ما قيل مسبقا من خلال توالي الأحداث الذي نشهدها بعين البطل الأساسي للقصة “ديفيد” الذي يتوجب عليه إيجاد شريك حياته خلال فترة وجيزة تقدر ب يوما وإلا صار عليه التحول لحيوان لذلك إختار “جراد البحر” لقدرته علي العيش قرابة المائة عام ولتشبث “ديفيد” كذلك بحبل نجاة في هذا العالم حتي وإن تجرد من أدميته نتيجة ذلك القانون الغوغائي.

لكنه للمفارقة ينجو من ذلك المأزق بطريقا ما “لن يتم كشفها لتجنب الحرق” ليقع في مأزق أخر ويصطدم بمجتمع أخر في ظاهره مأوى للهروب من براثن جنون قادة ذلك العالم الذين يفرضون الحب بصيغة الإجبار لكن في باطنه تطرف من نوع أخر لا يكن للحب إهتماما بل ويحرمه كليا ليجد “ديفيد” نفسه وسط ضفتين متناقضة في الفكر والعقيدة لتتوالي الأحداث التي نكتشف من خلالها مصير “ديفيد” وسط تلك الفوضى العارمة التي تحكم الخناق كالسجن الذي يأوي المجرمين ويمنعهم من الهروب نهائيا.



المثير للإعجاب في سيناريو “لانتيموس” هو مخاطبته للعقل والمنطق قبل تقديم تجربة ممتعة سينمائيا وذلك ينبع من إيمانه ببروز السينما الواقعية التي من خلالها يتم التطرق لجوانب مختلفة من الحياة وما يحدث خلالها من مواقف و مفارقات قد  تنعكس بمجملها علي تبعيات المستقبل سؤاء بالسلب أو بالإيجاب.

مما أعطي ذلك المساحة المناسبة ل”لانتيموس” لطرح رسالة شديدة اللهجة للجميع بضرورة الثورة علي التطرف الفكري وقمع الحريات بجانب إزالة تلك القيود التي تحول دون التعبير عن مشاعرنا الداخلية  وأن   نطلق العنان لما نفكر به بكل حرية مطلقة شريطة أن لا يعود ذلك بالضرر علي المجتمع لنغدو جميعا نحو مستقبل أفضل لا يجعل لمناخ التشاؤم سبيلا للتغلغل وغرس أنيابه في رقاب البشر ليتحولوا إلي كائنات فاقدة للعقل والجسد.

إخراجيا، نجح “يورجوس لانتيموس” في تقديم الرمزيات التي تعبر بشكل غير مباشر عن أسلوب سينمائي فريد من موعه يكشف مضمون فكرة العمل المطروحة بطريقة مبتكرة تنعش السينما وتهدف الي التجدد في الإبتكار القصصي والخروج عن المألوف في تقديم الحبكة وذلك ما قدم فيه “لانتيموس” أوراق إعتماده بنجاح ساحق لينال تكريم النقاد والجماهير ويترشح أيضا للأوسكار في فئة السيناريو الأصلي.

ليس هذا فحسب، بل إمتد ذلك إلي رغبة “كولين فاريل” في العمل بشكل متكرر مع “لانتيموس” نتيجة تلك الرؤيا الفنية المتميزة التي يمتلكها ونتج عنها ذلك العمل سينمائي جذاب الذي برز فيه “فاريل” بطبيعة الحال ونجح من خلاله في تجسيد أبعاد شخصية “ديفيد” المعقدة بأسلوب مناسب يعكس قدراته التمثيلية التي إختبئت خلف أدوار تجارية لا تعبر عن إمكانياته المذهلة مما أكسبه بعد ذلك إهتمام كبير من قبل صناع الأفلام الأخرون للظهور معهم في أدوار أخري في عدة مشاريع مختلفة.

فيلم The Lobster تجربة ليست غرضها الأساسي تقديم متعة سينمائية فقط بل تهدف إلي دق ناقوس خطر محقق من الممكن أن ينزلق إليه المجتمع دون إنتباه وتعم من خلاله الفوضى والفتن التي ستحدث تغييرات تزيد الوضع سوءا وتنعكس علي النفس البشرية بكل ما ينقص من عزيمتها وتمتعها بالحرية بدون قيود.

اسامة سعيد

كاتب وناقد سينمائى بموقع بيهايند وطبيب بشرى بمستشفى القصر العينى، محب للفن بشكل عام والسينما بشكل خاص.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock