مراجعات افلام

رؤية أخرى لفيلم Equilibrium

يقول السياسي والمفكر الكبير علي عزت بيجوفيتش الرئيس الأسبق لجمهورية البوسنة ” ليست الإنسانية في الكمال أو العصمة من الخطأ؛ فأن تخطئ وتندم هو أن تكون إنسانا”. حقًا … فالإنسان هو الصواب والخطأ والغضب والحلم والسعادة والبكاء والندم والعقل والتفكير …

ولكن هل التقدم الإنساني الحقيقي يشمل كل هذا .. أم أن هذه المشاعر هي سببا للبغض والقتل والفناء..

تدور أحداث الفيلم حول مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثالثة وكيف أنها تسببت بدمار كبير ودماء أكبر … لذا قرر بعض الناجين من الحرب إنشاء مدينة “فاضلة” تضم بشرا ليسوا كالبشر … بشرا بلا مشاعر… وحاكمها الدكتاتورهو “Father” أي “الأب” وأصبح من ينفذ قراراته باسم الأمة هم “clerics” أي رجال الدين … أصبحت المدينة الخاوية المشاعر هي رمز للدين في إشارة إلحادية صريحة.

ومن السخرية أن اسم المدينة “Libria” وهو الاسم المشتق من Liberty أي الحرية .. فهل حقا سكان المدينة أحرارا أم عبيدا في أيدي أسيادهم يحركونهم كيفما شاؤوا دون قيد أو شرط … ولإلقاء الضوء بشكل أكبر على فكرة الحرية والعبودية استخدم المخرج رمزية خطيرة حيث أن المبنى الرئيسي للمدينة مشيدا على غرار مبنى الكولوسيوم بروما وهو مدرجا أثريا عظيما كان يستخدم لأحدى أكبر الألعاب دموية وهي القتال حتى الموت بين العبيد الذين يمتلكهم سادتهم في الدولة الرومانية. 

واستمر الفيلم في إرسال إشاراته الرمزية فالعلم المستخدم كرمز للمدينة مصمما على غرار شعار النازية الصليب المعقوف وبنفس الألوان؛ حيث السادية التي يتوارثها الأجيال عبر الأزمان باختلاف الشخوص والأقنعة اللازمة لقيادة البشر …

وكأن مسئولي هذه المدينة همهم الأعظم هو الحفاظ على البشر؛ ففي سبيل منع الحروب والدمار قام المسئولون بهذه المدينة “الفاضلة” بحقن سكانها بعقار مضاد للمشاعر فلا حب ولا كره ولا جمال ولا تذوق للأدب ولا وجود لحضارات … فقط أشباه بشر يعيشون كالالآت في بيوت لا يوجد بها زخارف ولا ألوان سوى اللون الأبيض أو الأسود ولا توجد أية تصميمات سوى أشكال هندسية صماء … وهكذا تحولت يوتوبيا المدينة الفاضلة إلى ديستوبيا المدينة الفاسدة؛ فأهلها تحولوا إلى آلات ناطقة أفئدتهم هواء.

نعم تم منع الحروب ولكن القتل بلا رحمة أخذ مكان الحرب .. إدانة وقتل كل من يعصى أوامر الحاكم بتهمة “الشعور” … وكأن البشر مكتوبا عليهم أن يتخلوا عن نعم الله واحدة تلو الأخرى … في الزمن الذي يسبق الفيلم “التفكير” كان جريمة ويظهر مصطلح سجين الرأي أما في المستقبل فالويل كل الويل لمن يشعر ويتم إعدامه بتهمة الشعور …

وسط كل هذه العتمة يظهر جون بريستون (كريستيان بيل) كأفضل من ينفذ ديكتاتورية الحاكم بلا هوادة … فهو يقتل بدم بارد وبلا تفكير ويدمر حضارة الآف السنوات من الفنون والآداب … فقد مشاعره وأصبح مجرد آلة تنفذ ما يمليها عليها سيدها … ويتضح ذلك في علاقته بزوجته التي تركها لمن ينفذ القانون ليحكم عليها بالموت بتهمة المشاعر .. أما علاقته بأبنائه فهي علاقة بيولوجية باردة لا مكان للمشاعر فيها .. إلى أن يقوده حظه رغما عنه لكسر العقار الذي يمنع الشعور… وبدأ هو بدوره “يشعر” للمرة الأولى ويرى جمال الأمطار ويستشعر جمال أشعة الشمس … يرى الدنيا بمنظور جديد … منظورا ليس ورديا كما يتخيل البعض … بل منظورا يستشعر الجمال ويتفكر فيه … منظورا يحمل “حالة التوازن” بين الهبات التي منحنا الله إياها … يقول تشي جيفارا الثائر الأرجنتيني “إذا فرضت على الإنسان ظروف غير إنسانية ولم يتمرد سيفقد إنسانيته شيئا فشيئا” فهل سيتمرد بطلنا ويطلق العنان لمشاعره أم سيظل في استسلامه لهذه اللإنسانية … وماذا سيكون موقفه تجاه بقايا الحضارة الإنسانية العظيمة والتي استخدم المخرج “كيرت ويمر” جرامافون واسطوانات بالية ولوحات من عصر النهضة وكتب تراثية للدلالة عليها وكأن التكنولوجيا الحديثة دمرت الوجه الحضاري الكلاسيكي الراقي للإنسانية.

لا أعلم كيف استطاع ممثل عظيم مثل كريستيان بيل أن يتحكم في تعبيرات وجهه ونبرة صوته ويجعلها باردة جامدة إلى هذا الحد في أغلب أحداث الفيلم … فلا نر إلا ابتسامات باهتة ولا نلاحظ سوى تعبيرات جافة … وعلى النقيض من ذلك ما هذا الأداء الرائع عندما يبدأ في “الشعور” … أداء مبهر لممثل اعتدناه يطلق العنان لصوته ووجهه في التعبيرات عما يجول بداخل الشخصيات التي يؤديها.

” Without love, breath is just a clock ” – أي “بدون الحب فالأنفاس تصبح كدقات الساعة” – تلك العبارة التي قيلت على لسان أحد الشخصيات بالفيلم تتردد على مسامعي طوال الأحداث … فالفيلم يجعلنا نفكر هل الفراغ يستطيع أن يقي الإنسان من شبح الفناء … أليس في حياتنا أشخاص وأفكار ومعتقدات تستحق جميعها أن نشعر بها بل ونموت فداء لها ….

أجمل ما في هذا الفيلم أنك تستطيع مشاهدته مرة أخرى دون أن تفقد حماسك له … فالرموز والأفكار التي يطرحها تجعل منه عملا ممتعا مظلوما في تقييمه.

بقلم : مروة يوسف

الوسوم

Behind The Scene

بيهايند هي كيان سينمائى مصري متخصص فى مجال السينما والدعاية السينمائية نعمل على تقديم احدث الاخبار المصرية و العالمية فى مجال السينما ودعم الافلام السينمائية
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock