مراجعات افلام

حلم الوجود اليائس .. أن لا تتظاهر ولكن أن تكون – مراجعة Persona

في عام 1963 تم تعيين إنجمار بيرغمان رئيساً للمعهد الملكي للدراما في ستوكهولم رفض حينها تعليق مشروعاته السينمائية ولكن نتيجة الإجهاد وقع السيد بيرغمان ضحية للإلتهاب الرئوي وبقي طريح الفراش تسعة أسابيع يصارع الموت، وخلال هذه التسعة أسابيع قام بتطوير فكرة فيلم سيصبح من أهم افلام القرن العشرين بل من أهم الأفلام في التاريخ، اعتقد أنه ربما كان السيد بيرغمان متمسكاً بحياته خصيصاً حتي يستطيع أن يخرج هذا الفيلم، وهو الفيلم الذي قال عنه إنه أنقذ حياته، وأيضاً قال إنه افضل أفلامه وانا اتفق معه بالكامل.

قصة Persona تعتمد بشكل أساسي على الإزدواجية في طبيعة الإنسان وكيف ان هذه الإزدواجية تتغذي على الوحدة والإجتهاد وضغوطات الحياة التي تنهش دواخل البشر، الفيلم يطرح سؤال وهو “من نحن؟” فعلياً ماهي هوية كل إنسان وراء الأقنعة الزائفة التي نرتديها كل يوم بدءًا من الإبتسامات الزائفة والمجاملات الخالية من أي مشاعر حقيقية مروراً بالعلاقات السطحية والروتين اليومي الساحق للروح البشرية التواقة لأي قطرة من الحرية، إذا نزعنا كل هذه الأقنعة ماذا سوف يتبقي؟ هل هي الطبيعية البشرية بصورتها المجردة؟ ام ان تعبير “الطبيعة البشرية” تعبير مبتذل قد أصبح قناعاً آخر؟

في قراءة مرعبة للهوية الإنسانية السويدي إنجمار بيرغمان يستخدم لغته السينمائية البليغة في التعبير عن رؤيته الشخصية للإنسان، بيرغمان يحاول أن يكشف الطبيعة الحقيقية والمجردة لبني البشر، ومثل هذه الحقيقة مدفونة تحت الأنقاض من الزيف والإنكار والخوف، لا يكون الإنسان حراً من هذه الأنقاض إلا في اللحظة التي يخرج فيها من رحم أمه وإلي العالم، في هذه اللحظة الفريدة والوحيدة في حياتنا نكون عراة حرفياً ومجازياً من كل شئ، وهذا ما يحاول بيرغمان ان يقدمه هو إعادة خلق هذه اللحظة من خلال تقديم شئ ما أعمق من الفلسفة ولكنه بسيط ببساطة الطفل الذي ولد للتو.

يحترق فتيل الكاميرا معلناً دخولنا لعالم بيرغمان السينمائي يلحق هذا الدخول مجموعة من المشاهد المليئة بالعنف، الجنس، الجنون، البعض بوصفها بالتجريدية ولكنني احب وصفها بالحقيقية، هذه المقتطفات تمثل كيف تعيش البشرية أيامها في هذا العالم، ربما وجود البشر في حد ذاته سيريالي، وأفعالهم على قدر من الجنون يفوق حتي قدرة عبقري مثل بيرغمان على تمثيلها، فقرر وضع هذه اللقطات الواقعية في البداية لتمثل القناع المفضل للإنسان آلا وهو الإنكار، كيف لي أن أعيش في مثل هذه الدنيا بدون الإنكار؟ كيف لي ان أكل طعامي وأنا أعلم أنه يوجد طفل يموت من الجوع على الجانب الآخر من العالم؟ بيرغمان ينزع هذا القناع في الدقائق الأولى من الفيلم، ويجعلك مركزاً بشكل كامل على الذي يوجد أمامك، ويهيئك لما ستراه لاحقاً، لأن ما سوف تراه هو الحقيقة كاملة، هو الصورة المجردة للروح البشرية بكل ما فيها من قبح وأسرار وخطايا، بيرغمان بهذه الإفتتاحية العبقرية يسألك “هل انت مستعد حقاً لما سوف تضطر أن تواجهه؟”.

نلاحق قصة ممثلة تدعي اليزبيث فولجير قد أصيبت بحالة مفاجئة من الصمت وهي على خشبة المسرح، ومما يزيد من حيرة الصمت المفاجئ لاليزبيث إنها لا تعاني من اي مرض نفسي أو عضوي، فيما يبدو أن اليزبيث قد اختارت الصمت، اليزبيث لم تعد تحتمل فكرة الأقنعة التي ترتديها لتخفي آثامنا، خوفنا، خداعنا، هل محكوم علينا ان نختبئ خلف هذه الأقنعة طوال حياتنا؟ هل بإمكانك أن تصرخ للعالم “لا مزيد من الأقنعة!”؟ لا سيعتقدون انك مجنون آخر، فهذه الحالة هل صمت اليزبيث أبلغ من الكلام؟ هل هربت من القناع؟ وهل معني هذا انها هربت من نفسها؟ اعتقد ان اليزبيث قد ارتدت أقنعة طوال حياتها لدرجة ان شخصيتها الحقيقية قد طمست، فالصمت هنا ما هو إلا قناع آخر عليها إرتداءه، أو ربما هو أشبه بالإنتحار، لا حاجة لمزيد من الأقنعة اللازمة للتواصل مع العالم خارج نفسك، وقد استطاعت الممثلة ليف أولمان تمثيل هذه الشخصية وهذه المعاناة وهذا الإنتحار المجازي بأداء مميز دون اي حوار، وقدمت كل الرسائل التي يريد بيرغمان ان ينقلها من خلالها فقط بإستخدام تعابير وجهها.

الأخت إلما الممرضة التي يتم تعيينها لكي تعتني باليزبيث، تجد في اليزبيث مستمعاً جيداً، فمن الواضح أن لا أحد تكبد معاناة الإنصات لإلما طوال حياتها، كما تعيش اليزبيث صمتها الإختياري، قد عاشت إلما صمتاً إجبارياً طوال حياتها وحتي لحظة مقابلتها لاليزبيث، هي لم تتحدث حقاً عن اي شئ حتي هذه اللحظة، عبقرية بيرغمان هنا انه قد قلب الادوار، وكأن إلما قد أصبحت المريضة هنا واليزبيث أصبحت الممرضة، تفضي إلما بحكايات لم تتحدث عنها من قبل، تتحدث عن أمور شخصية قد اخفتها في أعماق قلبها، تخرج كل مشاعرها كامرأة وكانسان لاليزبيث، تنزع كل الأقنعة التي تحجب الجوانب الخفية من عالمها، وتفتح روحها بالكامل، إلما بصورة ما تمثل هذا الطفل الذي خرج للحياة للتو، الممثلة بيبي أندرسون هي الجانب المتكلم من فلسفة بيرغمان، قامت بدور إلما على أكمل وجه، أو ربما على وجه الكمال، بيبي قدمت واحداً من أعظم الادوار النسائية على الإطلاق، واستطاعت تمثيل المرأة التي لم تعد تريد ان تتظاهر وإنما تريد ان تكون.

لا يوجد إنسان خطت قدمه على وجه هذه الأرض لم يتظاهر، لم يكذب، لم يخادع، لا يوجد إنسان بدون خطيئة، وهذا بدوره ينتقل للعلاقات البشرية، حتي أكثر العلاقات نقاءًا وهي علاقة الأم بطفلها تكون مليئة بالاقنعة، لكن ماذا يحدث لو نزعت الأقنعة من اي علاقة؟ ماذا لو فتحت أبواب الروح على مصراعيها ولم يعد هناك حواجز؟ ماذا سوف يحدث حينها؟ الوصف الذي استطاع بيرغمان ان يتوصل له لمثل هذه العلاقة هو (الذوبان)، نحن نتحدث هنا عن روح الإنسان في صورتها المجردة، فقدان كامل للهوية، أو ربما هو ذوبان للأرواح وتداخلهم مع بعضهم البعض، هذا هو أقرب وصف للعلاقة بين إلما وبين اليزبيث، علاقة حيث يتداخل الواقع والحلم، واقع العلاقات البشرية وحلم بيرغمان لإيجاد أصل الروح، وهو ما يفتح تساؤلات لا نهاية لها حول الفيلم بحد ذاته، هل نحن نرى حقاً علاقة بين شخصيتين؟ أم هو تمثيل الصراع الذي يدور داخل كل شخص مننا بين نفسه التي يعيش بها بين الناس ونفسه التي يعيش بها وهو وحده؟ ففي النهاية يقول الفلاسفة “انت لا تكون على طبيعتك حقاً إلا عندما تكون وحيداً.” هل هذا هو ما حدث حينما اختارت اليزبيث الصمت والإبتعاد عن البشر؟ هل بعد نزع كل الأقنعة سوف نجد انه لا يمكننا تفريق بعضنا عن بعض؟ هل عميقاً داخل أنفسنا نحن نفس الشخص الخائف، الضعيف، المليء بالعيوب؟ تساؤلات لا يقدم بيرغمان ادني تلميح لحلها، يجب عليك بنفسك ان تجد تأويل لها سواء داخل عالم الفيلم او داخل عالمنا الحقيقي.

بيرغمان يستخدم اسلوب بسيط جداً، أو ربما الوصف العادل له هو (السهل الممتنع)، لا يزحم الصورة بالعديد من الأشياء التي لا ضرورة لها، فكما يريد بيرغمان إيجاد الصورة المجردة من الروح البشرية فلسفياً داخل أحداث الفيلم، يريد إيصال الشكل المجرد من الصورة التي يقدمها للمشاهد، قرر إستخدام الأبيض والأسود في التصوير، حركة الكاميرا بسيطة للغاية ليرى المشاهد كل التفاصيل وكأنها أمامه مباشرة، التركيز اغلب الأوقات على الوجه البشري خصوصاً العينان، حتي إذا كذب كل شئ فالعين لا تكذب أبداً كما يقال، زويا التصوير هنا دائماً تكون من وجهة نظر شخص يشاهد الأحداث عن قرب وهذا يساهم في إيصال المشاعر بشكل أكثر حميمية، اعتقد ان اسلوب بيرغمان هنا هو أقرب لمعجزة سينمائية، ويمكنك ان تشاهد الفيلم فقط حتي تستطيع رؤية مخرج عبقري مثل بيرغمان وهو يمارس مهنته.

عزيزي القارئ انت أمام أحد أهم الأفلام في تاريخ السينما، لو لم تدخل إلي عالم بيرغمان السينمائي حتي الأن ماذا تنتظر؟ أعدك انك سوف تخوض تجربة سينمائية إعجازية، تجربة فريدة من نوعها بكل معاني الكلمة، تجربة تجمع بين متعة السينما وبين نشوة التفكير الفلسفي، جهز نفسك بكل ما تستطيع من عتاد فأمامك رحلة شاقة، رحلة مليئة بالتساؤلات، رحلة داخل أعماق النفس البشرية، مقدمة لك برعاية من إنجمار بيرغمان، المخرج السويدي من أعظم وربما يكون أعظم من أمسك الكاميرا بين يديه، سوف تكون خسارة كبيرة لك إذا قضيت ايامك دون أن تشاهد احد أعماله وأفضلهم على الإطلاق Persona.

بقلم : باسم عماد

الوسوم

Behind The Scene

بيهايند هي كيان سينمائى مصري متخصص فى مجال السينما والدعاية السينمائية نعمل على تقديم احدث الاخبار المصرية و العالمية فى مجال السينما ودعم الافلام السينمائية
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock