مراجعات افلاممقالات

حتي ولو كنت أسوء من الوحش أليس لي أيضاً حق لأعيش – Old boy

جنون السينما الكورية الجنوبية بل انه تمثيل لجنون الفن السابع بأكمله جزء من ثلاثية الإنتقام للمخرج بارك تشان ووك وتحفته الفنية الأجمل والأعظم على الإطلاق Oldboy يملك كل ما يمكنك ان تسأل عنه في فيلم عظيم بل ربما يكون الأعظم على الإطلاق، يمكنني ان اقول ان هذا الفيلم يمثل كل ماهو متطرف في الحياة والسينما، هل تريد عذاباً؟ تخيل ان تكون محبوساً في غرفة صغيرة وحيداً لمدة 15 عاماً، هل تريد عنف؟ ما رأيك في تهشيم الرؤوس بالمطرقة؟ هل تريد انتقام؟ ما رأيك في أروع قصص الإنتقام التي وضعت على الشاشة الكبيرة؟ انها حقاً الرحلة القصوى التي يحلم بها كل مشاهد للأفلام، فكيف يمكن لأي أحد أن يبدأ في وصف هذا الفيلم؟ ربما يمكنك وصفه بالمريض، أو ربما المجنون، فيلم سيتركك في حالة من الصدمة، ولسوف تصارع من أجل انفاسك وخيوط الحبكة يتم فكها أمام عينيك، أحداث غير متوقعة وراء أحداث غير متوقعة ستتركك تحك في رأسك، هو الفيلم الوحيد الذي جلست بعده وفمي مفتوح على مصرعيه لفترة ليست بالقليلة وانا افكر في صمت “ماذا رأيت الان بحق السماء؟!”، انه اكثر الأفلام التي تركت تأثير نفسياً علىّ بشكل لا يمكنني ان اجد كلمات مناسبة لوصفه، وسوف يترك هذا التأثير عليك أيضاً سواء اعتبرته تأثيراً إيجابياً أو سلبياً.

فيلم Oldboy مقتبس بالأساس من مانجا (نوع من الرسوم المصورة اليابانية) بنفس العنوان، ولكن المخرج بارك تشان ووك قد غير في القصة تغييراً جذرياً، وهذه القصة الجنونية والحبكة المريضة والغامضة هي ما جذبني لمشاهدة هذا الفيلم منذ البداية، فنحن نتبع قصة شخص يدعي (أوه دايسو) منذ الدقائق الأولي يتم تقديمه كسكير محب للمشاكل يتم خطفه وحبسه وحيداً في غرفة صغيرة بدون اي سبب واضح، وما يجعل هذا الفيلم مميزاً وهذه الحبكة هي الأروع انك ومنذ العشرة دقائق الأولي تضع نفسك مكان هذا الشخص، تفكر “ماذا كنت سأفعل لو كنت مكانه؟ هل سأصاب بالجنون؟ هل سأقتل نفسي؟”، وانت وأوه دايسو تفكرون معاً “ما الذي فعلته لاستحق مثل هذا العذاب الغير محتمل؟”، المخرج حرفياً يستولي على عقلك بالكامل فالأن انت وبكل جوارحك قد غمرت في وسط هذه القصة، نحن وأوه دايسو الان بداخل الغرفة هذه الغرفة هي عالمنا الصغير، غرفة مجهزة بالكامل، ولايوجد بها اي وسائل للإنتحار، ولا اي وسيلة للإتصال بالعالم الخارجي سوي تلفزيون صغير، التلفاز هو الآن صديقنا الوحيد، نري التحول المتوقع في شخصية أوه دايسو فهو يتحول تدريجياً إلي وحش صلب قد خلقه هذا الموقف، وهو يفكر ليلاً ونهاراً “لماذا انا هنا؟” ينتظر اليوم الذي سيخرج فيه بفارغ الصبر لكي يحقق انتقامه المستحق من أياً كان الذي حبسه هنا، وعندما يأتي هذا اليوم سيحاول الإجابة على أهم الأسئلة وأكثرها إلحاحاً “لماذا؟”، وكل هذا يحدث أمامنا كمشاهدين، نشعر بكل هذه المشاعر نفكر في كل هذه الأفكار ونسأل كل هذه الأسئلة، ولسوف نري رحلة أوه دايسو الاشبه برحلة إله الحرب (إريس) للإنتقام، أو ربما هي أشبه برحلة (بوذا) لإيجاد معني لكل ما يحدث له.

مصطلح “فيلم عميق” أو بالآحري” فيلم هادف” والحديث عن فلسفة الأفلام والمشاهد المختلفة تزعج العديد من المشاهدين بسبب الابتذال أو ربما الغباء من بعض الناس في إستخدامه، ولكن لا يمكنني و بضمير صافي ان أهمل الأفكار التي يتم طرحها في Oldboy وسوف احاول ان اتعامل مع هذه الفقرة بقليل من الذكاء، والفكرة الأساسية هنا هي (نسبية العاطفة) أو بشكل أفضل ما الخط الذي يوجد بين الظالم والمظلوم؟ عند اي حد تكسب أو تفقد تعاطفك مع شخص ما؟ ما هو الشر أو ماهو الفرق بين الأعمال الشريرة المختلفة؟ ربما جملة قد قيلت في الفيلم توضح لنا الفكرة التي يريد بارك تشان ووك إيصالها “سواء كانت ذرة رمل أو صخرة كبيرة، الاثنان يغرقان بنفس الكيفية.” فالأعمال التي نراها صغيرة كالكذب أو النميمة، الضحك على الآخرين أو السخرية منهم بشكل أو بآخر قد يكون لها عواقب وخيمة ليس فقط على الشخص الذي تُفعل فيه مثل هذه الأفعال بل عليك انت شخصياً يا من تفعلها، فالعاقبة الأخلاقية دائماً تحقق الإنتقام، ولكن هل يمكننا مساوة مثل هذه الأفعال بأشياء مثل القتل أو خطف شخص ما؟ أليس ذلك فرطاً في العقاب؟ هل مساوة القتل بالكذب كمثال تمحي عقدة الذنب بحد ذاتها؟ مثل هذه الفكرة قد تبدو بسيطة على الورق ربما يتم قصها في حكايات الأطفال قديماً، ولكن بارك تشان ووك قد قدمها لنا في وجبة سينمائية متطرفة، جنونية، سوداوية، وحكاية إنتقام مليئة بالعنف والجنس والهستيريا، وما يجعل طرح بارك تشان ووك لهذه القضية جميلاً هو عدم وجود تكلف أو ما يحب الناس تسميته بالـ “العمق” فالرجل فقط يريد أن يقدم فيلم رائع يحمل بين ثناياه فكرة مهمة.

دعني اتحدث قليلاً عن الإخراج الرائع من المخرج بارك تشان ووك واستخدامه الرائع والجنوني للألوان، يبدو أنه كان يريد ان تكون كل لقطة وكل كادر في الفيلم لوحة فنية وقد نجح في تحقيق ذلك بكل تأكيد، وأعتقد أنه أخذ إلهام من رسامين أمثال فينسنت فان جوخ وهنري ماتيس، ولا يمكنني ان اصف حركة الكاميرا الرائعة، والتناغم المثالي بين حركة الكاميرا وحركة الممثلين وهو تناغم ضروري في فيلم يعتمد بالأساس على المشاعر التي تصلك من كل شخصية، ولا يوجد تمثيل أفضل لحركة الكاميرا من مشهد القتال الأيقوني بالمطرقة، وهو مشهد ارجع له مراراً وتكراراً من عظمة إخراج تشان ووك، انه حقاً من أكثر المشاهد عنفاً وجنوناً في تاريخ السينما، مشهد مصور من زاوية واسعة واكتفي تشان ووك بحركة الكاميرا البسيطة يميناً ويساراً، والأكثر إعجاباً هو تصوير هذا المشهد من مرة واحدة اي عدم وجود قطع (Cuts) وهو من أصعب الأشياء تنفيذاً في السينما، واشكر بارك تشان ووك شكراً جزيلاً ليس فقط على منحنا هذا المشهد الخالد بل أيضاً على منحنا أو منحي انا بالذات احد أعظم الأفلام في تاريخ صناعة السينما.



أداء (تشوى مين سيك) في دور (أوه دايسو) أقل ما يمكنك ان تقوله عنه هو أنه أداء أيقوني، لا ابالغ عندما أقول إنهُ لا يقل عظمة أو تأثيراً عن أداء مارلون براندو بشخصية فيتو كورليوني أو أداء روبرت دي نيرو بشخصية ترافيس بيكل، أداء لشخصية معقدة وتحولات صعبة للغاية على معظم الممثلين تجسيدها، شخصية تتملكها مشاعر مختلفة ومتناقضة بين مشهد ومشهد آخر، شخصية تتحول من سكير مزعج لوحش غاضب في مسعاه الذي لا يمكن إيقافه للإنتقام، من شخص يبدو غبياً لايهمه أحد في الحياة لمحقق بارع وشخص يملك تصميماً لا يمكن كسره يبحث عمن حبسه في هذه الغرفة، شخصية ستبغضها ثم تتعاطف معاها، ستكرهها و تحبها، ستشمئز من أفعالها ولكن تتذكر ما مرت به وتتمني لو فعلت أكثر من هذا، حقاً أداء عظيم وشخصية لا تنسي، ولا يمكنني أيضاً ان انسي أداء الممثلة الجميلة (كانغ هاي جونغ) في دور (مي دو) ستعتبرها ملاك من الملائكة قد نزل على الأرض لتشاهده على الشاشة قد نجحت في تمثيل مشاعر الحب والوحدة والحزن ببراعة يعجز عنها الوصف في واحدة من أجمل وأروع الادوار النسائية التي رأيتها في حياتي.

أكثر ما يتم الاتفاق عليه فيما يتعلق الأمر بهذا الفيلم هي المقطوعات الموسيقية، من أهم العناصر التي ساهمت في كمال هذا الفيلم وزادت من سحر كل مشهد، موسيقي جميلة ساحرة، تلامس مشاعرك، تداعب أذنك، وتدمع لها عيناك، قد تم إختيارها بل بالآحري تم تلحينها خصيصاً من أجل الفيلم من قبل العبقري (تشو يونج يوك)، فكل معزوفة ملائمة بشكل مثالي لأجواء الفيلم والمشهد التي توجد فيه، أنا شخصياً وبعد ثلاث سنوات من مشاهدة Oldboy لأول مره مازلت استمع لها وأحياناً بشكل شبه يومي واجد نفسي تلقائياً اتذكر أجواء الفيلم وعقلي يسترجع جميع الذكريات التي شاركتها مع المشاهد والشخصيات واجد نفسي متأثراً، متحمساً، وأشعر بالحنين للفيلم، ومثل هذا التأثير الكبير التي تحمله هذه الموسيقي عليّ هو ما يجعلني اقول انها أفضل موسيقي تصويرية قد تم استخدامها في فيلم على الإطلاق.

الخلاصة ان Oldboy هو تحفة فنية متكاملة الأركان، فيلم يمتلك حبكة درامية مليئة بالغموض والترقب والأحداث التي لا يمكن توقعها، سيناريو أكثر من عظيم يحمل في طياته العديد والعديد من الجمل التي سوف تعلق في ذهنك لأبد الأبدين، أداء تمثيلي يحتاج ان تشاهده لكي تصدق روعته، كل هذا ممزوج بآلحان اخاذة وأجواء لا مثيل لها في عالم صناعة السينما، وكل هذه العناصر التي تم ذكرها آنفاً تحتاج إلي مخرج نابغة بل مخرج من عالم آخر لكي يخرج لنا بمثل هذه التحفة الخالدة والمؤثرة وربما تكون الأفضل في تاريخ الفن السابع، وبمجرد حديثي عن Oldboy قد زاد إشتياقي له ورغبتي بمشاهدته مجدداً، وأرجو ان تشاركني عزيزي القارئ مثل هذه الرغبة.

التقييم النهائي : 10 من 10.

بقلم : باسم عماد

الوسوم

Behind The Scene

بيهايند هي كيان سينمائى مصري متخصص فى مجال السينما والدعاية السينمائية نعمل على تقديم احدث الاخبار المصرية و العالمية فى مجال السينما ودعم الافلام السينمائية
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock