قوائم الأفلاممقالات

تشارلي كوفمان و النفس البشرية – اهم افلام تشارلي كوفمان في مشواره الفني

بالحديث عن تشارلي كوفمان لابد ان نعلم انه لطالما كان التميز مرتبطاً بعنصرين لا يمكن فصلهما ؛ هذان العنصران هما الإختلاف و الجودة سواء فى الحياة بشكل عام أو فى السينما بشكل خاص ؛ و عندما يُذكر التميز فى الكتابة السينمائية و تحديداً بالقرن الحادى و العشرين فلا يوجد اختلاف على كون تشارلي كوفمان واحداً من أكثر كُتاب السيناريو تميزاً و تفرداً مما جعله جديراً بالمكانة التى حصل عليها فى قلوب محبيه .

تشارلي كوفمان هو كاتب سيناريو و مخرج أمريكى و بالرغم من تواجده منذ البداية فى الوسط الهوليودى إلا أنه لم يتأثر بالشكل النمطى للفيلم الهوليودى و لكنه قرر تقديم أفكاره الخاصة بسيناريوهات مختلفة لم نرى مثلها من قبل مما جعله ينجح فى الترشح للأوسكار أكثر من مرة و الفوز بها .

يعتبر تشارلي كوفمان أحد أكثر صناع السينما اهتماماً بمناقشة النفس الانسانية و العقل البشرى ؛ فنرى فى جميع أفلامه جزءاً من النفس البشرية يتم دراستها بذكاء و براعة بالغة مما يجعل كل مشاهد يجد جزءاً من نفسه فى كل فيلم من أفلامه و هذا هو سر التميز الحقيقى لـ تشارلي كوفمان ؛ فلقد استطاع تطويع الصورة و الكلمات لوصف ما لم نستطع وصفه أو ما لم نستطع البوح به قط .. لذا سأقوم فى هذا المقال بالمرور على المحطات السينمائية الستة الأهم و الأكثر شعبية في افلام تشارلي كوفمان فى محاولة لتوضيح الجوانب المختلفة التى ناقشها كل فيلم من أفلامه.

افلام تشارلي كوفمان

Being John Malkovich 1999

نبدأ بالمحطة الأولى في افلام تشارلي كوفمان و التى يمكن وصفها بالمجنونة و لكنها بكل تأكيد ليست الأكثر جنوناً و لكن يكفى أنها وضعته على الطريق الصحيح .
تدور أحداث الفيلم حول محرك الدمى الذى لا يجد مكاناً لتقدير موهبته فى تحريك الدمى “كريج” مما يدفعه لأخذ وظيفة يستغل فيها خفة يده مع الأوراق و لكنه يجد باب سرى يُمَكِنُه من الدخول فى عقل الممثل المشهور جون مالكوفتش ليبقى به لمدة 15 دقيقة ليرى ما يراه و يشعر بما يشعر به لتسير الأحداث بسيناريو غريب تزداد به الأمور جنوناً بشكل متسارع .

قد نختلف فيما أراد تشارلي كوفمان قوله بالفعل فى هذا الفيلم و لكن أرى أن الرسالة الأهم و الأقوى هنا تكمن فى ميل الإنسان لاتخاذ الطريق الأسهل ؛ الطريق الممهد دون أن ينظر لما يستطيع تحقيقه بالاعتماد على نفسه ؛ فالجميع أراد أن يكون بداخل مالكوفتش ، الجميع أراد أن يكون ذلك المشهور المحبوب الوسيم اللامع دون أن ينظر إلى نفسه فى المرآة ليرى من يكون بالفعل ؟ و ماذا يريد ؟ و ما الذى يجب عليه فعله لتنفيذ ما يريده ؟

سيناريو هذا الفيلم قد وصٌّل كوفمان بنجاح الى الأكاديمية ليحصل على ترشيحه الأول فى فئة أفضل سيناريو أصلى بالإضافة لترشح سبايك جونز لجائزة أفضل مخرج و ترشح كاثرين كينر صاحبة دور ماكسين لجائزة أفضل ممثلة بدور مساعد .

– Adaptation 2002
ان كنت تظن أن ما حدث فى Being John Malkovich كان الأكثر جنوناً فأنت مخطئ بشدة فلقد تعدى كوفمان الحدود ليقدم لنا فيلم يجسد فيه نفسه و يقدم فيه محاولته لكتابة سيناريو فيلم عن الأزهار مبنى على كتاب “The Orchid Thief” و هو الكتاب المبنى عليه هذا الفيلم فى الحقيقة .. بمعنى آخر يقدم لنا تشارلي كوفمان قصة كتابته لهذا الفيلم مع إضافة بعض الخيال بالطبع .

فكرة الفيلم هى أحد أغرب ما يمكن أن تراه فشخصيات الفيلم أغلبها شخصيات حقيقية موجودة بواقعنا عدا شخصية الأخ التوأم لتشارلى “دونالد” و الذى صنعه من مخيلته و بالرغم من ذلك كان وفياً لهذا الأخ الخيالى بشكلٍ لا يُصدق فنجد بتتر النهاية أن ذلك الأخ قد شاركه بكتابة الفيلم و عند ترشحه للأوسكار ترشحا معاً كذلك !
الفيلم يوضح ما يحدث بكواليس كتابة السيناريو و يركز على حالة “Writer’s Block و هى حالة يعانى منها الكاتب و يفقد فيها القدرة على إنتاج عمل إبداعى جديد ؛ فيوضح تشارلي كوفمان مدى صعوبة هذه الحالة و مدى تأثيرها عليه ككاتب .
الفيلم أيضاً يركز على فكرة الخوف الزائد من كل شئ و انعدام الثقة بالنفس الذى عانت منه شخصية تشارلى كوفمان فى هذا الفيلم على عكس أخيه التوأم دونالد “الخيالى” الذى كان واثقاً من نفسه و ناجح فى حياته الإجتماعية بالرغم من كونهما متماثلين ليؤكد أن الأمر بيديك أنت لا بيد شكلك أو طباعك .
” You are what you love, not what loves you. That’s what I decided a long time ago “

استطاع تشارلي كوفمان بهذا السيناريو العبقرى أن يترشح مرة أخرى للأوسكار بجائزة السيناريو المقتبس بالإضافة لنجاح الفيلم فى الحصول على عدد من الترشيحات الأخرى لنيكولاس كيدج و ميريل ستريب كأفضل ممثل و ممثلة فى دور رئيسى كما استطاع أن يحصل كريس كوبر على أوسكاره الوحيد كأفضل ممثل بدور مساعد .

Eternal Sunshine Of The Spotless Mind 2004

يقدم لنا الفيلم قصة حب “جويل” و “كليمانتاين” و التى تنتهى على نحوٍ سئ مما يدفع كليمانتاين للقيام بمحو ذكرى علاقتهم من عقلها فيتبعها جويل بفعل المثل و لكن الأمور لا تسير بتلك السلاسة التى تخيلها كلاهما .

فيلمنا يركز على فكرة الحب و معناه و على العوامل التى بسببها تنهار العلاقة بين طرفين حتى و إن كانت مشاعرهم مازالت مرتبطة ، و كيف عندما يكون الحب قوياً تصبح المشاعر خالدة و يتعدى الأمر حاجز الذكريات و العقل و يصبح مرتبطاً مباشرة بالقلب فببساطة يمكنك أن تخرج أحدهم من عقلك ، و لكن إخراجه من قلبك فهى مسألة أخرى .

نرشح لك ايضاً: قائمة افلام رومانسية 


من وجهة نظرى الشخصية أرى أن هذا الفيلم هو أفضل و أجمل أفلام كوفمان بل و أكثرهم تأثيراً نظراً لكون تركيز الفيلم الأساسى على مشاعر المُشاهد عكس باقى أفلام تشارلي كوفمان الذى دائماً ما كان يخاطب عقل المُشاهد فى المقام الأول و من خلال هذا السيناريو تلقى كوفمان أوسكاره الأول و الوحيد بجائزة أفضل سيناريو أصلى .

Synecdoche, New York 2008

يحكى الفيلم قصة الكاتب المسرحى الموهوب “كادين كوتارد” الذى تعدى الأربعين من عمره و هو يشاهد حياته العائلية تتساقط أمام عينيه و المرض ينهش جسده و هو يحاول مطاردة حلمه بتقديم مسرحية تعبر عن الحياة كاملة بنيويورك .

هذا الفيلم تحديداً أعتبره شخصياً التجربة الأعقد و الأصعب من بين جميع أفلامه فلم يكتفى بفكرة واحدة ليركز عليها فيلمه و لكنه تحدث عن كل شئ من اختيارات الإنسان و مدى تأثير نتائجها عليه و على من حوله ، الوحدة فى أحد أقسى صورها ، الفقد ، القدر ، الموت و الكثير من الأمور التى يصعب جمعها فى سياق واحد و هو ما كان مربكاً فى كثير من الأحيان خاصةً أن الفيلم كان يتنقل باستمرار بين الأوهام و الحقيقة و الماضى و الحاضر و المستقبل .

كما استطاع الفيلم جمع الكثير من الأفكار المتناقضة فكذلك فعل على المستوى الجماهيرى و النقدى فإما أن تصبح معجباً بشدة مما شاهدت أو تكون ساخطاً تماماً على التجربة ككل ؛ بالرغم من ذلك ما يمكننا أن نتفق عليه هو روعة حوار الفيلم و مدى إتقان فيليب سيمور هوفمان لتجسيده لدور كادين و الذى أعتبره أحد أقوى التجسيدات التى شاهدتها على الإطلاق بالقرن الحالى .

Anomalisa 2015

تدور أحداث الفيلم عن “مايكل ستون” الذى يعانى من مشكلة غريبة تتمثل فى كون اصوات الأشخاص الذى يتعامل معهم هو صوت واحد لا يتغير حتى يقابل بالصدفة “ليزا” التى يجد أنها تمتلك صوتاً أنثوياً مختلفاً عن ذلك الصوت الذى لا يسمع غيره من الآخرين .

فيلم Anomalisa و بالرغم من كونه فيلم أنميشن إلا أنه بعيد كل البعد عن الشائع فى تلك النوعية فشخصيتنا حقيقية للغاية و الأجواء كئيبة و سوداوية إلى أقصى حد كما أنه فيلم للكبار فقط .. الفيلم يتحدث عن الحب و معناه و نشوة البدايات و أثر دخول الروتين التدريجى بشكل لا نشعر به حتى يتملك كل شئ ؛ الفيلم يركز بعبقرية على كيفية تحول أى حدث فى حياتك مهما كان مدى روعته فى البداية مع الوقت إلى روتين لا يختلف كثيراً عن تناولك لإفطارك كل صباح ؛ مجرد شئ تقوم به ليس له طعم ولا رائحة مما يجعله يفقد بريقه و يصبح مثل أى شئ آخر .

I’m Thinking Of Ending Things 2020

يعتبر فيلم I’m Thinking of Ending Things هو آخر افلام تشارلي كوفمان إلى الآن و تدور قصته حول الثنائى “جايك” و “لوسى” و يبدأ تحديداً فى اليوم الذى يأخذ فيه جايك حبيبته لوسى لأول مرة لمقابلة والديه و لكن بالطبع تأخذ الأمور منحنيات غريبة أثناء رحلتهم .

فى هذا الفيلم ندخل إلى رأس رجل عجوز وحيد فقد كل شئ و لم يبقى له الكثير فيحاول أن يمرر أيامه و يتناسى وحدته و عجزه و فشله من خلال الذهاب الى عالم الخيال الذى صنعه لنفسه ؛ ذلك العالم الذى يجمع ما بين خياله و أمنياته و ما بين ماضيه الكئيب مع والديه و فى خلال هذه الرحلة نستعرض أفكار مختلفة عن الموت و الوحدة و الزمان نفسه و التى لا تقل تشاؤماً عن أقرانها بفيلم Synecdoche, New York !

فى النهاية سواء أحببت أسلوب تشارلي كوفمان أم لا فعلى الجميع أن يرفع القبعة لهذا الرجل على محاولاته الدائمة لتقديم سيناريوهات مختلفة و ثيمات جديدة بكل فيلم كما أنى أعتبره شخصياً أحد ملوك الحوار السينمائى و أحد أفضل كُتاب السيناريو الذين استخدموا أداة ال “Voice Over” بشكل مؤثر و فعال بأغلب أفلامه دون أن تكون مُقحمة .
ببساطة يمكن القول أنه لولا تشارلي كوفمان و أمثاله من صناع السينما لقتلت النمطية السينما منذ زمن بعيد .

محمد هشام

كاتب بموقع بيهايند و طالب بكلية الطب جامعة عين شمس من مواليد المنصورة، محب للسينما وكرة القدم.

ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى